عاماً بعد آخر، تتسع ظاهرة الغش في امتحانات الشهادة الثانوية العامة في اليمن، وتتطور وسائلها، متكئة بقوة، هذا العام، على الأوضاع الإقتصادية المتردية، وانقطاع المرتبات لنحو 8 شهور متتالية (قطاع التربية)، يتسابق خلالها الطلاب ومرافقوهم وأولياء أمورهم ومعهم مسؤولو الإمتحانات على اغتيال روح المنافسة والإبداع، والإتجار بمطويات الغش و«براشيم» الإجابات، التي يُباع معها ما تبقى من قيم ومعان تعليمية وتربوية ومبادئ أخلاقية سامية.
غفلة مصطنعة
عند ركنٍ في حوش إحدى المدارس والمراكز الإمتحانية في محافظة صنعاء، والتي زارها «العربي»، ينزوي مدرس لواحدة من المواد التعليمية، كان الطلاب يؤدون امتحانها، فيما أولياء أمورهم وأصدقاء لهم يتحلقون حول المدرس بكثافة تكاد تخفي وجهه عن الأنظار؛ مبالغ مالية متفاوتة يدسونها في جيب المدرس، يُعتقد أنها ثمن إجابات أسئلة الإمتحان، في ظل ما يبدو أنها غفلة مصطنعة لمراقبي الإمتحانات، ومشاركة فاعلة من الأسرة التي يمكن القول هنا إنها فشلت في التربية قبل الحديث عن التعليم.
دعايات مغرضة
في حديث إلى «العربي»، يقول طلاب يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية العامة، طلبوا التحفظ على هوياتهم، إنهم جمعوا مبالغ مالية للمراقبين للسماح لهم بالغش في جزء قصير من الوقت المخصص للإجابة على الأسئلة، في وقت اعتبر فيه نائب وزير التربية والتعليم في صنعاء الحديث عن ظاهرة الغش في الامتحانات «مناكفات ودعايات مغرضة تسعى لتشويه العملية الإمتحانية».
وأكد عبد الله الحامدي، خلال تفقده، يوم الأربعاء، مراكز امتحانية في صنعاء، حرص الوزارة على إنجاح امتحانات الشهادة العامة الأساسية والثانوية، مشيداً بـ«مستوى الإنضباط الذي لمسه». وشدد الحامدي على «ضرورة تضافر الجهود لإنجاح الإمتحانات، باعتبارها أداة قياس مستوى الطلاب، لاسيما المرحلة الثانوية التي على ضوئها سيحدد الطالب طريقه في اختيار التخصص الذي يتناسب وقدراته».
صوت وصورة
وبث ناشطون على شبكات التواصل الإجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لمظاهر غش داخل قاعة امتحانات، يظهر فيها هرج ومرج، وتحركات للطلاب بأوراق الأسئلة ودفاتر الإجابات، وتكوين تجمعات في ما يبدو بحثاً عن إجابات الأسئلة في أوراق أو مقررات دراسية وهواتف جوالة أُدخلت إلى قاعة الإمتحان. وتُسمع في الفيديو، الذي لا يُظهر اسم المركز الإمتحاني أو مادة الإختبار، بوضوح، أصوات طلاب يشتمون زملاءهم، وآخرين ينهرون من قام بالتصوير.

أيام الجد والمثابرة
مقاطع فيديو الغش، بالصوت والصورة، أثارت قلق الناشط الإعلامي والسياسي، محمد العبسي، ودفعه ذلك إلى تذكر أيام تحضيراتهم لاختبارات الشهادة الثانوية العامة بجد واجتهاد، إدراكاً منهم بأن «المستقبل مرهون بنتائج المثابرة في الثانوية، ليس من باب المعدلات فحسب، بل بحجم التحصيل العلمي الذي يتوافق مع المعدل المحقق». وفي حديث إلى «العربي»، يرى العبسي أن «ظاهرة الغش الإمتحاني اليوم تقضي على أهم آلية لفرز الكفاءات، وتضع مستقبل البلاد على المحك، لاسيما وقد كانت من أسوأ كوارث العدوان هجرة العقول».
قوننة و«جنان»
«أيامنا كان الغش مقونن، خاص بأبناء النخبة، يغيروا لهم دفاتر سكتة، اليوم بث مباشر». هكذا يعلق عبد الله شرف الدين على مقاطع فيديو الغش الإمتحاني، مضيفاً بكلمات قليلة: «هذه السنة جنان». ويرى توفيق سعد القدمي، من جهته، في استمرار ظاهرة الغش في الامتحانات «إكمالاً لمشهد حقيقي جميعنا يعيشه ويشارك فيه»، قائلاً: «غش وفساد في كل شيء»، فيما تنقل رؤى علي عن قريبة لها أن الأخيرة «اشترت ورق الإمتحانات بـ30 ألفاً، كل يوم يعطوها الإجابة في ورقة، وما عليها غير نقلها في دفتر الإجابة».
إنتعاش سوق «البراشيم»
وقال مالك مكتبة في صنعاء، في حديث إلى «العربي»، إن مكتبته تشهد إقبالاً كثيفاً من طلاب لشراء قصاصات ورقية مصغرة، تتضمن مختصرات لمناهج دراسية يمكن إخفاؤها في أكمام القمصان، أو بين طيات أوراق الإجابة. وبحسب مختصين في التربية والاجتماع، تُعدّ ظاهرة الغش في الاختبارات المدرسية من أخطر المشاكل التي يواجهها التعليم وأوسعها تأثيراً على الفرد والمجتمع. ويعتبرها هؤلاء «سلوكاً غير خلقي ينم عن نفس غير أمينة، أو غير سوية، لا يصلح صاحبها للقيام بأي مهمة سياسية أو إدارية أو اجتماعية أو تربوية».
وكان رئيس حكومة الإنقاذ في صنعاء، عبد العزيز بن حبتور، دشن، يوم السبت، امتحانات الثانوية العامة بقسميها العلمي والأدبي لـ194 ألفاً و12 طالباً وطالبة، تبعهم يوم الأحد 272 ألفاً و819 طالباً وطالبة في الشهادة العامة الأساسية، موزعين على ثلاثة آلاف و488 مركزاً امتحانياً.
التعليقات