على عتبات أبواب وكالة سياحية لتفويج حجّاج بيت الله الحرام، يجلس علي حمود ناصر (60 عاماً)، سانداً رأسه المثقل بالهموم وجسده المنهك إلى ركبتيه، وبينهما ملف أوراق غير مرتبة، تحكي واحدة من قصص معاناة من قصدوا أداء فريضة الحج لهذا العام من المحافظات الشمالية والغربية، في بلد يُعدّ من أقرب البلدان إلى الأراضي المقدسة، ومن شعب طالما قرأ في أوراق حكوماته المتعاقبة رسمياً اسم «الشقيقة» مضافاً إلى اسم دولة وحكومة وشعب «المملكة العربية السعودية».
إبتزاز مالي واعتقالات لحجاج صنعاء
لم يعد المواطن اليمني، علي حمود، يأمل زيارة بيت الله الحرام، وأداء فريضة الحج، حتى وإن تأكدت له صحة مضامين أوراقه الثبوتية، ورفاقه من أفراد العائلة. هو فقط ينتظر على أحر من الجمر معرفة مصير صديقه (زوج اخته)، عبد الله جابر، الذي غادر قبل أسابيع من صنعاء إلى سيئون في محافظة حضرموت، بهدف قطع جواز جديد، ولم يعد.
واشترطت حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي على الراغبين في أداء فريضة الحج لهذا العام، من المحافظات الشمالية والغربية، قطع جوازات سفر جديدة من محافظات عدن، مأرب، حضرموت، واعتبار الجوازات الصادرة بعد 1/1/2016 من صنعاء غير معتمدة.
في حديثه إلى «العربي»، يحتمل على حمود تعرض صهره، عبد الله جابر، للاعتقال من الطريق العام في محافظة مأرب، أو في سيئون، أو تعرضه لعملية نهب وابتزاز فقد خلالها الأموال التي كانت بحوزته لاستخراج جواز سفر جديد، وفي الحالتين ما يزال مصيره مجهولاً.
سماسرة تفويج!
وكيل وزارة الأوقاف لقطاع الحج والعمرة في حكومة صنعاء، عبد الله عامر، يؤكد، من جانبه، تلقيهم شكاوى من مواطنين قصدوا الحج هذا الموسم، حول تعرضهم لعمليات نصب وتحايل وحالات ابتزاز مالي، تصل إلى ما بين 1500- 2000 ريال سعودي، مشيراً، في هذا الصدد، إلى عدم وجود تفويج رسمي للحجاج من قبل وزارة الأوقاف في صنعاء، وكذلك عدم وجود وكالة تفويج معتمدة بصورة رسمية هناك. ويقول إن «ما يحدث من تفويج يتم عبر سماسرة يوالون العدوان»، في إشارة إلى دول «التحالف» بقيادة السعودية.
ويعتبر ما يحدث من عمليات تفويج «غير نظامية وغير قانونية»، لمواطنين من المحافظات الشمالية والغربية، «عملاً سياسياً وارتزاقاً، بيعاً وشراءً في فريضة الحج»، مضيفاً أن ذلك يتم «تنفيذاً لتوجيهات النظام السعودي المعتدي على اليمن»، بحسب تعبيره.
إنتهاكات صارخة
ويوضح عامر أن «الحجاج الذين يتم تفويجهم عبر سماسرة يوالون العدوان، هذا الموسم، يتم نقلهم على مراحل إلى المنفذ الحدودي، الوديعة، ويتعرضون لانتهاكات صارخة»، مستحضراً نماذج من انتهاكات موسم العام الماضي، كـ«وقوع حالات وفيات، وعمليات ابتزاز مالي، واعتقالات بين مأرب والوديعة، وحالات اعتقال من داخل الفنادق هناك». ورداً على سؤال لـ«العربي» عن إجراءات إلغاء جوازات العام 2016، وانعكاس ذلك في تفاقم معاناة القادمين للحج من محافظات شمالية وغربية، يؤكد المسؤول في وزارة أوقاف صنعاء أنهم خاطبوا الجوازات بذلك في حينه، و«أبلغنا قيادة الوزارة بأن سماسرة يعملون على تفويج من يرغب في الحج، بقطع جوازات من عدن أو مأرب».
«حوافيش» ذهاباً و«دواعش» إياباً
وبحسب المعلومات الميدانية، فإن قطع جواز سفر للحج، من محافظتي مأرب أو عدن، لمن يرغب في الحج من صنعاء، سيحتاج إلى إنفاق قرابة 80 ألف ريال، في حين قيمة الجواز لا تتجاوز مبلغ 3 آلاف ريال، هذا غير مخاطر تعرضه لعمليات ابتزاز ونهب وتهديد وربما إعتقال. وفي حديثه إلى «العربي»، يبدي حمود خشية من أن يكون زوج أخته قد اعتقل في مأرب بتهمة سياسية، واعتباره من أنصار ما يسمّى «الإنقلاب أو الحوافيش»، بموجب جوازه القديم الصادر من صنعاء، مضيفاً: «وربّما يكون اعتُقل في نقطة لأصحابنا بعد عودته بالجواز الجديد بتهمة الدواعش!».
بيع وشراء
وإذا كانت حصة اليمن من عدد الحجاج 24 ألفاً تقريباً، موزعة على المحافظات وفقاً لتوزيع نسب السكان، فإن إلغاء جوازات 2016 تسبب بحرمان أكثر من 50% من المتقدمين الراغبين في أداء مناسك الحج هذا العام من صنعاء.
وفي هذا السياق، يذكّر وكيل وزارة الأوقاف، عبد الله عامر، بأّن نسب الحجاج موزعة على الدول الإسلامية بحسب عدد السكان، بموجب الأنظمة واللوائح والقوانين المنظمة لعملية تفويج الحجاج، وبأن تقسيم نسبة كل دولة يتم بحسب عدد السكان في كل محافظة من محافظاتها، و«لا يجوز لأي شخص التلاعب في تلك النسب والتوزيع العادل»، متابعاً أنه «منذء بدء العدوان على اليمن أصبحت عملية تفويج الحجاج خاضعة للارتزاق والبيع والشراء».
ويرى عامر أّن «الحرمين الشريفين ملك للمسلمين جميعاً، ولا يجوز لمن يتولى إدارتهما منع أي قادر على الحج»، متهماً النظام السعودي بـ«توظيف الحرمين الشريفين لخدمة مصالحه وسياساته التي وصفها بالمشبوهة». ويزيد أن «التدخل العسكري والعدوان لا يمنح النظام السعودي مبرراً لمنع الحجاج اليمنيين وإعاقة فريضة الحج تحت أي ذريعة كانت».
التعليقات