حين أطلق جورج دبليو بوش عبارته ذائعة الصيت مخاطباً العالم: «من ليس معنا فهو ضدنا»، عقب أحداث الـ11 من سبتمبر 2001م، كان لزاماً على العالم أن ينخلع من جذوره، ويخلع ملامحه وتنوعه وخصوصياته وتبايناته الفطرية والمكتسبة، وينضوي راغماً في «المارش الأمريكي القطيعي»، مذعناً لسبابة وعصا الولايات المتحدة، مندفعاً إلى حيث يشيران في كل منحى، بالقفز على مصالحه واعتباراته ومحاذيره وتطلعاته الخاصة وأمنه القومي، فلا مصلحة سوى مصلحة أمريكا وتطلعاتها، ولا محاذير سوى محاذيرها، ولا أمن سوى أمنها القومي على سطح الكوكب!
لخصت عبارة بوش الحاجة الأمريكية إلى إنتاج مفارز وتماسات وقواعد اشتباك عالمية تتجاوز ما كان سائداً منها إبان الحرب الباردة، لاسيما وقد أضحت الكرة الأرضية تركة حصرية وعقاراً وقفاً على الولايات المتحدة بوصفها القطب الوحيد، وخاتم تاريخ البشرية، وسقف تجاربها المثلى الذي لا سقف أعلى بعده.
بات الإرهاب الموقوف، زماناً ومكاناً ودلالة وآليات مكافحة، على دماغ وإصبع المخرج الأمريكي، «بلدوزر» الولايات المتحدة لتعبيد شعوب وبلدان العالم، الذي تحول إلى «كورس» ببغاوات خلف واشنطن، لا يخدش إيقاعه الأحادي الرتيب صوت متمرد مغاير، إلى أن حدث ما لم يكن في حسبان الإدارة الأمريكية، ومن حيث لم تحتسب!
يشخِّص سيد الثورة، السيد عبد الملك الحوثي، ملابسات هذا المنعطف التاريخي من الموات والعماء الكوني العربي الإسلامي تحديداً، بحيث يتجلى الأثر المدوي بعيد المدى لـ«الصرخة في وجه المستكبرين»، التي صدع بها السيد القائد الشهيد حسين الحوثي، من جامع ريفي في قرية نائية من قرى محافظة صعدة شمال اليمن.
بالنسبة لمعظم الإشتراكيين والقوميين العرب، فإن أمريكا الإمبريالية لم تعد امبريالية، ولا الكيانات العربية الرجعية الوسيطة لها في المنطقة استمرت رجعية في أنظارهم، بل انقلبت مواقفهم – دون سابق تمهيد أو مراجعة فكرية – لتغدو تبعاً للامبريالية وملحقاتها الوظيفية الكمبرادورية، تقتفيها وترضع مفاهيمها بشبق، وتتلقى أوامرها وتوجيهاتها بخشوع وتسليم كأن لم يكن بين الآمر والمأمور حقبة مديدة من العداوة والبغضاء.
تهكَّم سيد الثورة محقاً من هذه المفارقة الفاضحة في مواقف اليسار والقوميين، وليس بوسع هؤلاء أن يردوا عليه التهكم بالتهكم، أو أن يفندوا ما تناوله من حقائق، إذ لا مجال لأن ينفي المنبطحون على فراش مليك النفط صِلاتهم بمليك النفط، أو أن يدرأ المتعهدون لأمريكا وإسرائيل بـ«الحيلولة دون نشوء نسخة من حزب الله في اليمن» تهمة تبعيتهم الثابتة بالوقائع للصهيونية العالمية، وخيانتهم للقضايا الوطنية والقومية والإنسانية العادلة التي استمدوا شعبيتهم من التلطي خلفها زمناً، ليبيعوها اليوم بالتجزئة والجملة في مقلب الخردة الأمريكي وغرف تحالف العهر والعدوان.
حناجر وخناجر الحفاة الشعث المتبردقين، الذين استهزأ بهم التقدميون، منذورة للمستضعفين في كافة بقاع الأرض، وأعقابهم المتشققة تطأ اليوم رقاب الطغاة والجبابرة، ويقض إيقاعها مضاجعهم، فيما رقاب أكاديميي اليسار والقوميين وجهابذة مشائخ «الإخوان» تهرسها الأمراء والملوك وحوافر المارينز والنياق المجذومة، وحناجرهم منذورة لـ«نجوى العربية والحدث وسكاي نيوز والقناة الثامنة والتاسعة والعاشرة الإسرائيلية».
أطفال صعدة وحجة وعمران وصنعاء واليمن عموماً يركلون أمريكا على مؤخرتها، وأمناء عموم اليسار واليمين يتمسحون بهذه المؤخرة ويتوددونها. يخرج القبيلي من بين الأشلاء وحطام منزله أشعث أغبر شامخاً صلباً باسق الهام، ليبصق في وجه الإمبراطورية الأمريكية، بينما يخرج ياسين سعيد نعمان بكامل قيافته وهندامه من قبوه في لندن، ليلعق حذاء تيريزا ماي، ويمرهم تجاعيده المتفسخة ببصاقها، مادحاً حكم المحكمة البريطانية القاضي باستمرار تزويد السعودي بالأسلحة لضمان استمرار دوران دولاب الدم والدمار في اليمن.
تفضلوا... هذه هي حال الفريقين: الواقف مع أمريكا والواقف ضدها، الرافض لهيمنتها والمذعن لها، الذين صرخوا بـ«الموت لأمريكا» والذين استجلبوا الموت الأمريكي لشعوبهم. وشتان بين الضفتين والفريقين؛ بين الطالع من ملح وعرق الأرض بملامح ناصعة جلية ناتئة كصخورها، وبين الذاوي في مستنقع صديد الخيانة وروثها من الأخمص إلى الرأس ومن اليسار إلى اليمين.
إن المعرفة الحقة هي معرفة الإنسان بوجوده ومغزى وجوده ودوره فيه، والذين شقوا طريقهم خارج حظيرة الوجود بالتبعية للوجود الأمريكي، هم من حفظوا للبشرية وجودها المستهدف بالطمس والتعبيد، وهم من دحضوا مسلّمة «عالم من العبيد والأمريكان» التي فرضتها الإدارة الأمريكية على المعمورة كنتاج لانحسار المد المناهض لجبروت الأحادية القطبية، خوفاً في الأغلب الأعم، وطمعاً في مزايا الرضوخ لخرافة «نهاية التاريخ».
كتب أحد القوميين، عقب أحداث الـ11 من سبتمبر 2001، مقالاً بعنوان: «بن لادن ذريعة أمريكية لابتزاز العالم»، لكنه سرعان ما استمرأ هذا الإبتزاز ليغدو بنظره، في 2003 إبان احتلال أمريكا للعراق، أمراً لا بد منه في سبيل الدفع بعجلة التقدم والتنمية الديمقراطية واللبرلة قدماً، في العالم العربي المحكوم بأنظمة استبدادية شرقية عتيقة.
وكتب محمود درويش، عقب الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م: «أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا، لأمريكا سنحفر ظلنا ونشخ مزيكا على تمثال أمريكا»، لكنه أصيب لاحقاً بانحباس شديد في مسالكه البولية، ليكتب: «على هذه الأرض ـ الواقعة تحت سطوة الطاعون الأمريكي ـ ما يستحق الحياة»، ثم دحض في خواتيم عمره جدوى الصراع في سبيل قضية، أية قضية، ومهما كانت عادلة، كما في قصيدته «لاعب النرد»، حيث طرفا الصراع محض جامعي غنائم، والمقاتلون على الضفتين ضحايا: «يموت الجنود مراراً ولا يعرفون إلى الآن من كان منتصراً... لو انتصر الآخرون على الآخرين لكان لتاريخنا البشري تفاصيل أخرى».
إزاء هذه العدمية والإذعان، كان لزاماً على الأحرار أن يصرخوا بـ«الله أكبر» نفياً لعبودية البشر، وبـ«الموت لأمريكا» كمشروع تعبيد ووصاية امبريالي، و«الموت لإسرائيل» كمخلب امبريالي صهيوني عنصري متقدم في المنطقة، وبـ«اللعنة على اليهود» كخزانة بغضاء تعتقد بالأفضلية ونقاء العرق، وتنفي إنسانية الإنسان من غير الحلقة اليهودية المغلقة الضيقة، وبـ«النصر للإسلام» كثورة إنسانية تحررية كرَّم بها الخالق جل وعلا بني آدم، ورفعهم بها من حضيض الإستلاب وفقدان القيمة إلى مقام الفاعلية والذات الكريمة البناءة المشيعة لقيم الحب والرحمة والخير والسلام لعيال الله على أرضه.
«أليست هذه الصرخة يمكن لأي واحد منكم أن يطلقها... بل هو شرف عظيم له؟! أصرخوا وستجدون من يصرخ معكم ـ ليس في هذا المكان فحسب ـ بل وفي مناطق أخرى...». هكذا تحدث السيد القائد الشهيد حسين الحوثي، وهكذا استشرف قبل عقد ونصف العقد وقائع نعيشها اليوم، وصرخة اتسع نطاق دويّها لينتظم الأحرار في كل حدب وصوب، وقضية أوشكت أن تكون منسية بالمطلق، فبزغت لتحتل بؤرة الصدارة، هي القضية الفلسطينية، وصراعاً عربياً ـ إسرائيلياً أوشك أن يغدو وئاماً ومحبة، وصراعاً عربياً ـ عربياً، فانفسح أفق مواتٍ لتصويب البوصلة، وبات «على إسرائيل أن تضع في حسبانها موقف الشعب اليمني في أية مواجهة عسكرية تندلع بينها وبين فلسطين أو حزب الله ولبنان...». هكذا تكلم سيد الثورة.
التعليقات