يسعى وجهاء قبائل مجتمع جنوب السعودية (اليمنيون بالأصل) إلى إنهاء الحرب التي تقودها المملكة على اليمن منذ مارس 2015. وبحسب مصدر مسؤول في «أنصار الله»، فإن الحركة تتلقى اتصالات بهذا الخصوص، بالتزامن مع اشتداد حدة التصعيد خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من جانب مقاتلي الجيش واللجان في العمق السعودي.
كان بوسع المقاتل اليمني منذ وقت مبكر من عمر الاشتباك الدائر نقل المعركة إلى قلب جيزان ونجران والمدن الآهلة الرئيسية في جنوب المملكة، لكنه التزم قيمياً بقواعد اشتباك حيال «شعبنا في الجزيرة» ولم ينفذ اقتحاماته وعملياته الهجومية سوى في النطاقات الجغرافية التي أخلتها السلطات السعودية من سكانها قسراً واتخذت منها مواقع عسكرية لعدوانها على اليمن.
مع توغل مقاتلي الجيش واللجان في العمق الجنوبي للمملكة أكثر فأكثر، وتهاوي مواقع ومعسكرات استراتيجية حاكمة أمامهم على غرار معسكر الجابري في جيزان، تشتد الحاجة لدى الجيش السعودي إلى إخلاء وتهجير أهالي العديد من البلدات والقرى والمدن في الحد الجنوبي، بهدف إعادة الانتشار العسكري فيها وتعويض أنساقه الساقطة، وذلك يضاعف الارتدادات الكارثية للحرب على مجتمعات الجنوب الذين خسر كثيرون منهم مزارعهم وأملاكهم ومنازلهم إبان دخول السعودية بشكل مباشر في الحرب السادسة على صعدة في 2009، ولم يعد بوسعهم العودة إليها، ولم يجرِ تعويضهم، فقد نكثت الرياض بوعودها لهم كلياً.
مجتمع جنوب المملكة المفقر والمقهور والموصوف اصطلاحاً في الأوساط السعودية بـ«مجتمع 07» كدلالة على الدونية والتهميش الرسمي الذي يعيشه، يتجلى وجهاؤه اليوم بوصفهم وسيطاً وازناً لا مناص لبني سعود من الاتكاء عليه كزلفى لدى حركة «أنصار الله» لكبح جماح المقاتل اليمني بالتي هي أحسن، قبل أن يضع قدمه على مشارف الحرمين الشريفين، معسكِراً مظلوميات الجنوب ومستضعفيه في طريقه صوب ثورة تطيح بالمملكة.
لا تمانع «أنصار الله» من مد يد السلام للرياض كمبدأ، لكنه سلام مشروط بوقف شامل للعدوان والحصار المفروض على اليمن وسحب القوات الغازية الأجنبية من كامل ترابه، الأمر الذي لا تملك السعودية زمام البت فيه إيجاباً بمنأى عن واشنطن كمدير تنفيذي، والإمارات كشريك مباشر في العدوان، كما أن الرياض حنثت بهدنة إبريل 2016 التي جرت بوساطة من وجهاء جنوب المملكة، وقدمت خلالها «أنصار الله» تنازلات بدت مبالغاً فيها بنظر القوى الوطنية الأخرى في اليمن حينها، وأية محطة قادمة للتفاوض اليوم لن تكون بنفس سماحة الطبع من جانب الأنصار.
في سياق متصل، ذكرت وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء أن ولد الشيخ قصد مسقط عُمان رسولاً للرياض بطلب أن تتوسط حكومتها لدى «الحوثيين» لوقف تصعيدهم على حدها الجنوبي، وهو أمر يشير إلى تفاقم ألمها مع انتقال عمليات المقاتل اليمني من طور «التنكيل» إلى طور التوغل والسيطرة، الذي يجزم مراقبون وخبراء عسكريون أنه سيفضي إلى سقوط مدن سعودية كبرى في حال استمرار تصعيد المقاتل اليمني بالوتيرة ذاتها خلال الأسابيع الأخيرة.
مستوى الألم الإماراتي يتعين أن يحاذي الألم السعودي المتفاقم لينضج القرار الأمريكي لجهة النزول عند وقف شامل للعدوان على اليمن، وهذا هو ما يضعه العقل الثوري والعسكري اليمني نصب عينيه كاستراتيجيا في مقارباته لخيارات الرد والردع الناجعة في المستقبل القريب المنظور.
المؤكد أن مجتمع الجنوب السعودي المقهور آيل تماماً للانضواء في حرب ثورية شعبية بقيادة «أنصار الله»، ستغير وجه الجزيرة العربية والمنطقة، فيما تبقى مقترحات التهدئة ومبادرات الحل السياسي مجرد محطات على طريق هذه الحرب حتى تبلغ مطافها الجذري الأخير.
التعليقات