يمثل المقاتل العقائدي، بالنسبة للحركات الثورية التحررية، رافعة لا غنى عنها لجهة حاجة هذه الحركات للرسوخ في محيط تقليدي ساكن ومناوئ، بالقصور الذاتي، لكل مقاربة جذرية تحثه على أن يتغير وينهض بدور وينوء بعبء، على نقيض ما اعتاد أن ينهض به من أدوار ومهام في زمن الوصاية.
إنهارت غالبية الحركات الثورية التحررية التي أخفقت في بناء المقاتل العقائدي، وخمنت أن بمقدورها تطويع البناء العسكري التقليدي لجهة رؤاها الثورية ما دامت تسيطر على البناء الفوقي السياسي، على غرار سلفادور الليندي في تشيلي، وتوماس سانكارا في بوركينافاسو، وشيوعيي غواتيمالا في الخمسينيات، وجمال عبد الناصر في مصر (1952م).
الرهانات المثالية المفتقرة للبناء العسكري العقائدي في تجارب الحركات السالفة جعلها تقع فريسة للمؤسسات العسكرية التقليدية الموالية، من حيث النشأة والدور والعقيدة، للطبقات المسيطرة الحاكمة بالإنابة عن القوى الإستعمارية، والتي خلفتها الثورة في البناء الفوقي السياسي عبر انقلاب أو عملية انتخابية حازت خلالها الحركات الثورية على الأغلبية الكاسحة.
سقط الليندي قتيلاً مضرجاً بمثاليته على أيدي العسكرتارية التقليدية الحارسة لاحتكارات المناجم، وبقيادة مباشرة من المخابرات الأمريكية التي أوكلت إلى صنائعها من صبيان شيكاغو ـ خدام السوق نسف وإجهاض كل أحلام شعب تشيلي في عدالة اجتماعية ونماء اقتصادي، بمنأى عن مصاصي الدماء وصناديق الإقراض. وفي مصر، سرعان ما ذوى الحلم الناصري فور رحيل عبد الناصر عن الدنيا، وخمدت شعلة الثورة بالمثل في عديد بلدان نظيرة لمصر وتشيلي.
يعتقد الكثيرون ـ في المقلب الآخر للتجارب الآنفة ـ أن السيجار الكوبي هو العشبة السحرية التي منحت الثورة الكوبية رسوخها الزمني وحياتها المديدة، حتى عقب انهيار الإتحاد السوفياتي، وقليلون فقط يدركون أن الفضل في هذه الإستمرارية يعود في معظمه إلى نواة الجيش الثوري المتمرد الذي تشرب فكر ورؤى كاسترو وجيفارا الثورية من المهد، وبرهن بالتآزر مع اتحاد الطلبة الشوعيين على جدارة الثورة بالبقاء حين تصدوا بفدائية لأكبر إنزال جوي أمريكي للعملاء (شعب ميامي) في خليج الخنازير، عقب شهور من استيلاء الثوار على العاصمة هافانا، وهروب الوكيل الأمريكي باتيسيا.
وفي فنزويلا اليوم، تبقى استمرارية النزوع الثوري الشافيزي رهناً بالأحزمة الطلابية والشعبية البوليفارية التي أعدها هوجو شافيز من قوام مسحوقي الضواحي، لتكون حارسة للمسار التحرري بطيء الأطوار، لا سيما عقب إطاحة الجيش الموالي للاحتكارات النفطية الأجنبية به في غضون الخطوات الأولى من مشواره السياسي القائم على استحقاق انتخابي تقليدي.
لقد احتاج رفيقه مادورو في سبيل تعزيز هذه الإستمرارية إلى إطار سياسي أعلى حامل للنزوع التحرري في البناء الفوقي لفنزويلا، فأنشأ الجمعية التأسيسية ذات الصلاحيات غير التقليدية الواسعة، الأمر الذي أثار ذعر أمريكا واعتبرته انقلاباً على الديمقراطية، فقط لأنه ـ بطبيعة الحال ـ يضع فنزويلا على جادة التحول الجذري، ويسحب البساط من تحت منظومة وكلاء أمريكا الفاعلين في مؤسساتها السياسية والقضائية بكاراكاس.
إن حجر الزاوية في الصمود اليمني اليوم في مواجهة العدوان الكوني الهادف لتركيع شعبنا من خلال اجتثاث قيادته الثورية، هو المقاتل العقائدي ذي الوعي الثوري والسياسي الذي يجعله يصوب بصره صوب المستقبل الكريم الممكن والمستحق، ولا يلتفت إلى الخلف بحثاً عن مزايا عسكرية تقليدية كشرط لا مناص منه لخوض ملحمة التحرر الوطني.
إن جيشاً من المقاتلين الثوريين العقائديين يتخلق اليوم من لهيب هذه الملحمة فتياً صلباً واثقاً وعصامياً، هو العمود الفقري ليمن لا وصاية عليه مستقبلاً، ولا قِبَل لقوى الإستكبار بكبح جماح أشواقه الثورية التحررية أو تقويضه لصالح الحرس القديم وكهنة معبد الوصاية. لقد انتصرت سوريا الأسد لهذه الأسباب وينتصر اليمن اليوم.
التعليقات