يعتقد بعض المحسوبين على القوى الوطنية في الداخل اليمني ـ تغابياً أو غباءً ـ أن حوافز التحالف الأمريكي السعودي لشن عدوانه العسكري على اليمن هي تطبيع اللعبة السياسية، لجهة تمكين المكونات التقليدية التي تحظى بشرعية دولية، وإزاحة المكون الثوري القادم من خارج منطقة التعاقد الدولي الأمريكي الغربي.
لا يقر هذا البعض بشرعية لهادي ـ بطبيعة الحال ـ لكنه يقدّم نفسه على ملعب المفاهيم والأدوار الأمريكية عينه، بوصفه البديل الأحرى بواشنطن أن تتبناه وتراهن عليه؛ بحساب توافره على شارع جماهيري حد اعتقاده، في مقابل انتفاء شعبية خصمه، هادي الفار، والمقيم في فندق بالرياض.
قال الرئيس الأسبق، علي صالح، للمرة الأولى في مقابلة على قناة حزبه، إن «الشرعية هي لأنصار الله الذين شغلوا السلطة بعد فرار هادي وتركها للفراغ». على أن هذا الإقرار ـ بما يواربه من نكاية ـ لا ينسحب على مواقف معظم قيادات البناء الفوقي لـ«مؤتمر» الداخل، وفريق واسع من إعلامييه ونخبته الذين لا يزالون ينظرون إلى «أنصار الله» كنشاز طارئ على المشهد، محكومين بالصورة النمطية التي أنتجتها ماكينة الإعلام الرسمي «الإخواني» الوهابي، وروجتها عن الحركة قبل وأثناء وبعد حقبة الحروب الحكومية الست على صعدة (2004 ـ 2009).
وترتيباً عليه، فإنهم يتطابقون مع واحدة من أبرز غايات «التحالف»: إنهاء العدوان رهن بإنهاء سيطرة الحركة الثورية على القرار السياسي في اليمن. ويتجاوزون ذلك متوهمين أن تحالف العدوان ـ ولا ريب ـ سيضع الزمام في أيديهم، فهم الأجدر بثقة الإدارة الأمريكية في سدة الحكم في اليمن.
لا يناهض هذا الفصيلُ (من بقايا السيطرة الإقطاعية) عدوانَ التحالف الأمريكي السعودي لكونه مشروعاً يستهدف تمزيق التراب والنسيج الإجتماعي اليمني بلا استثناء، بل لكونه يتذرع بشرعية خصوم نظراء استحوذوا على معظم مفاصل السلطة على خلفية أحداث 2011 والمبادرة الخليجية، وأزاحوهم إلى هامش الهامش. لذا فإن موقفهم المعارض للعدوان لا يتعدى لفتاً لانتباه المدير التنفيذي الأمريكي إلى حاجتهم لأدوار صدارة سياسية ولو على خارطة يمنية ممزقة لبضع دويلات طبقاً لمرامي العدوان وغاياته.
لم يخل حديث صالح لقناة حزبه ـ رغم كونه إيجابياً لجهة إنهاء التوتر القائم بين الحليفين ـ من مخاتلات أقرب لتوجيهات مضمرة إلى الفصيل «المؤتمري» الموتور مفادها بأن «استمروا». ألمح صالح إلى خطر يتهدد «النظام الجمهوري ومبادئ ثورة 26 سبتمبر 1962م»، وأبدى استعداده لمد اليد والتعاون مع «كل من يؤمن بالجمهورية ويحترم مبادئها»، دون أن يسمِّي الجهة التي تمثل خطراً على النظام الجمهوري، ملقياً حبل التأويلات على غارب المغرضين والمتربصين من «مؤتمريي» الداخل، الذين شرعوا في تصويب سهامهم وخناجرهم في ظهر الحركة الثورية على هيئة حملات تشكيك في ولائها الوطني، وتحذير من تغيير مضمون المنهج التعليمي والتربوي، واستهجان لاحتفالاتها الدينية ـ اليمنية بالأصل و... إلخ. ووصل الأمر حد مشاركة عملاء تحالف الغزاة والمحتلين «بوستر» احتفاء موحداً بثورة 26 سبتمبر، من تصميم غرف العدوان ذاتها، في صفاقة فاضحة ومباهية.
لن ينفرط عقد الوفاق السياسي اليمني في مواجهة العدوان كما يأمل هؤلاء ـ بطبيعة الحال ـ، لكن جرذان الطابور الخامس ستهرسهم عما قريب جنازير القضاء الوطني وأجهزة الرقابة، التي بدأت بالدوران وفق مقتضيات ملحمة الدفاع اليمنية الكبرى، وعلى الباغي تدور الدوائر أياً كان ومن أي فصيل.
التعليقات