لا يمكن لثورة حقيقية أن تتكئ على المفاهيم الغربية الإمبريالية في إنتاج أنموذج بديل لنظام سيطرة كمبرادورية أطاحت به في بلد ما، من دون أن تطيح بنفسها وتقع في خانة الهيمنة الغربية كنظام كمبرادوري بواجهة ثورية لا أكثر.
الثورة الحقيقية هي مقاربة جذرية شمولية للأدوار والمفاهيم والأدوات والغايات التي قام عليها زمن الوصاية والهيمنة، بهدف إنجاز قطيعة معه لجهة انبعاث زمن وطني يتوافر على رؤيته العصامية الخاصة لطبيعة الأدوار والمفاهيم والأدوات والغايات التي تكسبه وزنه وحضوره الإيجابي الفاعل على الخارطة بمنأى عن التشرنق والانعزال أو التبعية والتلاشي في محيط الآخر حليفاً كان أو عدواً!
إن مركز الهيمنة الامبريالية في عدوانه اليوم على يمن الحادي والعشرين من أيلول، لا يستهدف الثأر لكرامة لفيف وكلائه الذين خسفت بهم الثورة، ولا إعادة تنصيبهم على كاهل الشعب، وإنما يستهدف كسر إرادة النهوض والحياة بكرامة وحرية واستقلال لدى الشارع اليمني الثائر وترويض القيادة الثورية للقبول بلعب دور الوكيل خلفاً للمنظومة البائدة، تحت ضغط الحصار وخناق الحرب الاقتصادية القذرة التي يشنها على بلدنا وشعبنا لزهاء ثلاثة أعوام.
لا يأبه مركز الهيمنة لثورة تطيح بواجهة حكم كمبرادورية وتبقي على الأدوار والمضامين ذاتها في صلاتها به ولا تمس بثوابت السوق المقدّسة وتبدي استعداداً للتعايش مع الكيان الصهيوني الغاصب كعضو أصيل في الأسرة الشرق أوسطية، لهذا كانت ثورات «الربيع العربي» مرضِيّاً عنها، وحظيت بمباركة المجتمع الدولي، بوصفها ليس إلا نكوصاً إلى الدرك الأسفل من ذات حضيض الهيمنة، لا وثوباً وانعتاقاً منها..
على الضفة النقيض لـ«ربيع الهيمنة» تعرَّى العالم المنافق من كل فضيلة وخلق وإنسانية إزاء ثورة الـ21 من أيلول وأباح اليمن شعباً وتراباً لعدوان لا نظير لوحشيته وانفضاح دعاواه، فقط لأن هذه الثورة وقيادتها لم تبايع أرباب المسلخ الدولي على السمع والطاعة في المنشط والمكره كوكيلة لهم على سدة حظيرة مواشٍ مذعنة اسمها اليمن.
إن شمولية ونفاذ رؤية سيد الثورة السيد القائد عبدالملك الحوثي، التي تجلّت بكثافة في خطابه الأسبوع الفائت، جسّدت أبعاد ثورة الـ21 من أيلول غير المتحوصلة بخفة وسطحية في الشأن اليومي اليمني ولا الآيلة للتفريط بكينونتها الكاملة مقابل نصف أو ربع كينونة يتفضّل عليها العالم المنافق بها على الرغم من ضراوة العدوان والحصار.
ليس صحيحاً ـ حد اعتقاد البعض ـ أن العدوان على اليمن محض سحابة صيف عابرة، بحيث يمكن لليمنيين استرضاء شبقه بالقليل من التنازلات على طاولة حوار برعاية أممية، ومن ثم تعود الحياة وادعة ومستقرة فلا عدوان ولا حصار.
لقد ثبت لمعظم اليمنيين من مجريات العدوان المستمر لزهاء ثلاثة أعوام، أنه ما من خيار ثالث بين أن تنتصر إرادة الشعب الصامد في الحرية والاستقلال الكامل، أو أن تنتصر إرادة قوى العدوان في تركيع الشعب لعبودية كاملة، وباتت القناعة اليوم ناضجة لجهة تصعيد وتنويع ومضاعفة خيارات الرد مضياً في المواجهة حتى الانتصار.
أكثر من ذي قبل، لم يعد اليمنيون يرغبون في إنهاء العدوان، وإنما في الانتصار عليه.. وباحتفالية الذكرى الثالثة لثورة أيلول، ستترقى المنازلة إلى طور جديد حاسم لم تألفه قوى العدوان ولم يدر في خلدها!
التعليقات