«إن لم تشتغل الأمة بمشروعها فإنها لن تصبح ـ فحسب ـ تهديداً وخطراً على نفسها بل وعلى الأمم الأخرى، تعمل أمريكا على تجنيده لابتزاز خصومها ومنافسيها من دول العالم كالصين وروسيا...» - السيد القائد أبو جبريل، عبد الملك الحوثي.
تُعدّ بريطانيا أبرع وأذكى الكولونياليات الأوروبية التي استعمرت الشرق العربي والإسلامي، بحساب أنها جندت ما يمكن تسميته بـ«تبشيريات إسلامية» لتطويع المجال الروحي الشرقي لهيمنتها الإستعمارية، خلافاً للكولونياليات الأخرى التي اعتمدت على طلائع التبشيريات المسيحية في استعمارها للشرق.
لقحت دوائر الإستخبارات البريطانية يباس «درعية نجد» بكل نشاز قرون التاريخ الإسلامي، منذ منافقي يثرب وحتى فتاوى ابن تيمية الفاشية المقيتة، فحصلت من جِماع ذلك على مسخ الوهابية الذي أطلقته على حواضر المدن العربية والإسلامية من البصرة إلى تريم وسواها من الحواضر، فراح ينهش كل أصيل وثمين وصحي وحضاري وإنساني فيها، ويستنبت القتاد والسُّميَّات والكراهية والسواطير الشبقة للذبح وتقطيع الأوصال.
أحد أبرز فتاوى محمد بن عبد الوهاب، وربما الأولى خارج وادي الدرعية، كانت «تحريم مهاجمة سفن الإنجليز في الخليج الفارسي»، على خلفية هجمات كانت تشنها قبيلة القواسم العمانية حينها عليها. تقابلها فتاوى إباحة دم المسلمين من غير الدائنين بالوهابية بلا استثناء، باعتبارهم مشركين وكفاراً ومبتدعة وقبوريين.
وفيما استلهم المهاتما غاندي، وهو هندوسي، قيم الإسلام المحمدي التحرري وسيرة الإمام الحسين، ففجر الطاقة الثورية للشعب الهندي في مواجهة الإحتلال البريطاني، وانتزع الإستقلال انطلاقاً من مبدأ «الساتاجراها»، المنحوت من مفهومَي «الجهاد» كركيزة إسلامية و«الحقيقة أو الحق» كركيزة هندوسية.
في المقابل، أمكن لبريطانيا أن تثلم الإنتصار الهندي بتسخير مسخ الوهابية - الإخوانية، الذي تولى تعبئة مسلمي الهند طائفياً للانسلاخ عن النسيج الإجتماعي الهندي، وتكوين كانتون (باكستان) كحيز إسلامي حصري استنزف ولا يزال طاقة القارة الآسيوية ذات الكثافة البشرية والإثنية. واتكاءً على هذا الكانتون كترانزيت دولي لظاهرة الجهاد الأفغاني ـ ذهاباً وإياباً ـ، قوضت الولايات المتحدة المنظومة السوفياتية في الثمانينيات، وأعادت تدويرها منذ مطلع التسعينيات وحتى اللحظة لتقويض الخارطة العربية دولاً وشعوباً، وتمثل «داعش» ذروة الإستثمار الغربي الأمريكي الإستعماري لمسخ الوهابية على الإطلاق.
تهيئ واشنطن، بتعاون صهيوني اليوم، ما يشبه معسكر استقبال آسيوياً يدعى «ميانمار» لتجميع حطام «خرافة داعش» المنهارة تحت ضربات محور المقاومة، ولصق أجزائها مجدداً لتوظيفها في «الحرب الباردة» على الصين والهند وروسيا وإيران من ظهيرها الآسيوي غير العربي.
ليست مصادفة أن تبرز أزمة ميانمار إلى الواجهة بالتزامن مع مشروع فصل كردستان عن العراق. فانتصار الوطنية العراقية والإسلام المحمدي التحرري على إفرازات الإسلام الكولونيالي الأمريكي البريطاني الطائفية التفتيتية، استدعى تحريك البديل العرقي الكردي على قائمة خيارات واشنطن والكيان الصهيوني في الشرق الأوسط، وتدوير الخيار الطائفي الناكص للانتفاع منه في جنوب شرق آسيا حيث بؤرة الكثافة البوذية.
لم تعد لافتة «سنة العراق في خطر» ذات قيمة بعد انهيار «داعش»، وهي اللافتة التي تلطى خلفها أوباما، وانبثقت منها غيلان أبو بكر البغدادي. باتت اللافتة اليوم: «أكراد العراق في خطر»، على الرغم من أن الكرد في الغالبية الساحقة هم سنة، لكن مروحة الخيارات الطائفية والعرقية الأمريكية ينبغي أن تدور تبعاً للمتغيرات، بحيث تؤدي في المحصلة إلى تجريف كامل الوجود البشري التاريخي في الشرق العربي والإسلامي، واختزاله إلى أصغر وحدة مجهرية ممكنة.
إن الإسلام المحمدي العلوي الحسيني ليس حصانة للأمة الإسلامية فحسب إزاء تحديات المحو والتجريف، وإنما هو حاجة ماسة لمنظومة الـ«بريكس» في مواجهة تحديات محوها بجنازير الوهابية التي شرعت في الدوران بجدية ومثابرة.
التعليقات