يقيس البعض قوة الجنوب وتماسكه وصحة وسلامة أهداف ثورته من خلال سلوكيات معينة لأطراف أو لأشخاص. وترى هذا البعض، أمام أي فعل شاذ ترتكبه تلك الأطراف، يذهب إلى التشكيك في قضية الجنوب ونهج ثورتها وأهداف تلك الثورة.
في الحقيقة أن مثل هذه الأحكام تفتقد للحكمة والنضج الذي يؤهل أصحابها لأن يؤخذ بأطروحاتهم. فالثورة الجنوبية وأهدافها والجنوب عامة أكبر بكثير من أولئك القلة المتصارعة، وأوسع من عقليات الأحكام القاصرة والتفسيرات السطحية، إذا ما أدركنا حقيقة أن المتصارعين هم قلة جندت نفسها لتكون أدوات بأيدي أطراف إقليمية، وانقسمت على نفسها لخدمة ذلك الهدف، وحقيقة أن هذين الطرفين المتصارعين لا يمثلان الجنوب، وإن ادعيا ذلك التمثيل، وأن الفئة الماكثة خارج ذلك الصراع تشكل نسبة أكثر من 80% من أبناء الجنوب.
البعض الجنوبي ذهب إلى تفسير ما حدث في الأيام الماضية في محافظة أبين في ذكرى أعياد سبتمبر بأنه انتصار لطرف جنوبي على طرف جنوبي آخر. وذهب أنصار الطرف الآخر إلى محاولة التقليل مما حصل على طريقة «عفاش» المعهودة بأن أولئك شرذمة قليلة. وأرى من وجهة نظري أن ماحدث لا يُعدّ انتصاراً لطرف على طرف آخر، ولكنه هزيمة للطرفين الجنوبيين المتصارعين. كما أنني لا أرى معالجة ما حدث بخطاب «عفاش»، إنما يجب الوقوف أمام الظاهرة تلك في مضمونها وأسبابها؛ إذ إنها تشكل خطراً على الجنوب وثورته.
يجب أن نواجه حقيقة أن هناك صراعاً تشهده الساحة الجنوبية لا علاقة له بثورة الجنوب وأهدافها، على الرغم من أن أدوات ذلك الصراع جنوبية خالصة، وإنما هو صراع ترجع أسبابه المتعددة والمتنوعة إلى حسابات إقليمية، تعود أرباحها على دول وأطراف إقليمية تستخدم لذلك الصراع مجاميع جنوبية تم تجميعها وتهيئتها وتسميتها أيضاً، لتتصارع تحت رايات «الدولة والثورة»، مقابل وعود مؤجلة لا ضمانات لها لأي طرف.
في اعتقادي، أن الصراع استشرى، وبات من الصعب التكهن بنهاياته، وأعتقد أن هذا الصراع وعبث أدواته لن يتوقف إلا من خلال علاج تلك الأطراف من داء التبعية لأطراف الصراع الإقليمي، أو عزلها وعدم التعاطي معها ومع دعواتها التي توظفها لخدمة صراعها الضيق دون مراعاة لجنوبيتها ولما يترتب على ذلك من أخطار.
كما أنه من الواجب تفعيل دور الفئة الجنوبية الواسعة الماكثة خارج صراع المصالح، من خلال حملة شعبية منظمة ترفض الصراع الجنوبي، وتطالب طرفيه بإيقافه، بعدما أصبح محصوراً بين أفراد يمثلون مناطق جنوبية معينة. ويجب، أيضاً، توحيد جهود الإعلاميين والصحافيين والكتاب والمثقفين الجنوبيين في اتجاه التوعية بمخاطر الصراع الحالي، والتنبيه إلى أنه لا يمت للجنوب وقضيته بصلة، وتحييد هذه الشريحة الهامة عن الإنقسام والتبعية للأطراف المتصارعة، فضلاً عن مطالبة «التحالف العربي» بالالتزام بقواعد تواجده في الجنوب إنسانياً وسياسياً، وعدم المساس أو العبث بالنسيج الوطني الجنوبي.
لا شك في أن ثورتنا اليوم تواجه صعوبات من حيث الهجمة الشرسة التي تشنها قوى الإحتلال ضدها، ومن حيث تراخي المواقف الإقليمية والدولية تجاه هذه القضية الوطنية التي تشكل نقطة ارتكاز لحل كثير من قضايا المنطقة والإقليم، ومن حيث سلبية الأداء السياسي الجنوبي وحالة التشرذم التي تعيشها الساحة الثورية الجنوبية، وحالة الفشل في إيجاد قيادة وطنية جنوبية توافقية تقوم على التمثيل الوطني وتضطلع بمهمة قيادة هذه المرحلة الهامة. ومع كل ذلك، فإنه لا يوجد مبرر لحديث البعض الجنوبي عن فشل التلاقي السياسي الجنوبي، وإسقاطه على الثورة الجنوبية؛ فهناك فرق بين فشل تحقق أسباب استمرارية الثورة وبين فشل قوى هذه الثورة في خلق تقارب فيما بينها.
التعليقات