لو قُدّر لمناضلي ثورة 14 أكتوبر في ما كان يعرف بالمحميات الشرقية في جنوب اليمن، و التي اندلعت ضد الإستعمار البريطاني العام 1962م متأثرة بمد القومية العربية، لو قدر لهم استشراف المستقبل آنذاك، ومعرفة المآلات والمصائر التي كانت تنتظر موكب ثورتهم، لما أقدموا ربما على ممارسة ذلك الفعل الثوري، كما يقول البروفيسور صالح علي باصرة، وزير التعليم اليمني الأسبق وأستاذ التاريخ في جامعة عدن.
رأي
رأي باصرة يحظى بتأييد الكثير من المناضلين الذين لا زالوا على قيد الحياة، سواء أولئك الذين ينتمون لمحافظة حضرموت التي ينتمي إليها باصرة نفسه، أو مناضلي الجنوب عموماً، الذين عاصروا حقبة الإستعمار. 
حضرموت
تأثر أبناء محافظة حضرموت، كغيرهم من أبناء اليمن الجنوبي، أثناء حكم الزعيم جمال عبد الناصر لمصر، بالشعارات القومية ودعاوى التحرر والتخلص من الإستعمار. وعلى خلفية ذلك بدأت التيارات القومية باستقطاب أبناء اليمن الجنوبي، لتتبلور لاحقاً كقوى سياسية جديدة بعضها ناصري الهوى، والآخر بعثي أو شيوعي.
وقد نافست تلك القوى السياسية «رابطة الجنوب العربي» التي تشكلت في بداية الخمسينات، والتي كانت تطالب بتوحيد سلطنات ومشيخات محمية عدن في دولة واحدة؛ إذ نجحت القوى الجديدة في إقصائها بتهمة أنها «قوى رجعية وعميلة وموالية للاستعمار»، فيما كانت «رابطة الجنوب العربي» تتكون من بعض المثقفين والتجار المطالبين بدولة واحدة للجنوب، غير تابعة لليمن، لذا لم تكن تطالب بالوحدة مع الشمال.
وقد تمكنت الرابطة من انشاء «اتحاد الجنوب العربي» الذي انضمت إليه بعض السلطنات والمشيخات، إلا أن الدعاية الناصرية ضد هذا الإتحاد أسهمت في فشل التجربة وانهيارها، لتنهار بعد ذلك سلطنات الجنوب العربي، الواحدة تلو الأخرى.
ثورة 14 أكتوبر
تعتبر أحداث ردفان في 14 أكتوبر 1963م نقطة الإنطلاقة لأبناء الجنوب المتحمسين لحمل السلاح ضد الإستعمار البريطاني. إستهدف الثوار القوات البريطانية بتنفيذ العديد من العمليات الفدائية، التي ألهبت حماس الجماهير للانخراط في الثورة. وكان لإذاعة «صوت العرب» دور كبير في تغطية أخبار الثورة في الجنوب آنذاك، والتي امتدت إلى مناطق الجنوب كافة، وصولاً إلى أكبرها مساحة وإرثاً حضارياً، محافظة حضرموت.
إرهاصات
 وتعود إرهاصات الثورة في حضرموت إلى بدايات مراحل النضال التحرري من الإستعمار البريطاني مطلع العام 1960م، واستمرت لسنوات حتى مغادرة آخر جندي بريطاني أراضي الجنوب في 30 نوفمبر 1967، بفعل الكفاح المسلح الذي أتى امتداداً لثورة 14 أكتوبر وارهاصاتها الأولى بداية الستينيات، لتتوج في العام 1962.
وكان لفرع حركة القوميين العرب، الذي تأسس في عدن في نهاية 1959م، قصب السبق في إيقاد جذوة الثورة في حضرموت، التي بدأ فيها بإعداد العدة للمواجهة مع الإستعمار البريطاني وأعوانه، من خلال تهيئة الجماهير للثورة وحمل السلاح في وجه المحتل الغاصب.
حركة القوميين العرب
ويذكر المناضل، عبد القادر باكثير، في مذكراته عن «بدايات الكفاح المسلح بحضرموت»، أن حركة القوميين العرب «تعد واحدة من أهم الفصائل التي كونت الجبهة القومية في 14 أكتوبر 1963م».
ويشير باكثير في مذكراته إلى دور المناضل محمود سالم صقران، الذي «يعد من أوائل أبناء حي القرن بمدينة سيئون، المؤسسين لحركة القوميين العرب بحضرموت العام 1960م».
ويضيف باكثير أن «الجبهة القومية قد لعبت دوراً كبيراً في المرحلة التي تلت بدء الثورة وحتى نهاية عام 1960، فقامت بتخزين كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في منطقة حجر، والشرج بالمكلا، ووادي عمد، وسيئون وغيرها من المناطق، استعداداً لليوم الذي تصل فيه شرارة الثورة المسلحة إلى هذه المنطقة».
عمشوش
وفي مقالة بعنوان «أستاذي محمود صقران»، يشير الأكاديمي في جامعة عدن، مسعود عمشوش، إلى أن شخصية المناضل صقران بزرت لتمكنه من الحصول على قسط من التعليم قبل الإستقلال. ويتحدث عمشوش، في قراءة للجزء الأول من كتاب «مذكرات عن مراحل النضال والتحرير في حضرموت»، للمناضل عبد القادر باكثير، عن دور أعضاء حركة القوميين العرب في مدينة سيئون، والتي اعتبرت «جزءاً من الجبهة القومية منذ منتصف ديسمبر من عام 1962، الأمر الذي مكن المناضل محمود سالم صقران من حضور معظم اجتماعات الشعبة التنظيمية، بصفته عضواً في الجبهة القومية لمنطقة حضرموت في مدينة المكلا، علاوة على تشكيل التنظيمات في العام 1960، والتي تصدر بها أبناء حضرموت المشهد السياسي، بغرض تشكيل نواة حركة القوميين العرب بمناطقهم».
مناضلو حضرموت
تبدو ثورة أكتوبر اليوم في عيون مناضليها من أبناء حضرموت مجرد طيف عابر من الذكريات المثخنة بالجراح والمآسي المؤلمة، ماضياً وحاضراً، فيما تظل نظرتهم نحو المستقبل الذي ينتظر تلك التضحيات مجهولاً.
ويشخص المناضل سالم بافرج، في مذكراته، حال الثوار الحضارم بالقول: «انتظرنا كثيراً على الرصيف من تبقوا من رجال ثورة أكتوبر وثوار وسياسيي الحركة الوطنية الجنوبية، رغم أن منا من سُحل، ومنا من أعدم بدم بارد، ومنا من اعتقل ومكث في سجنه عشرات السنين، كما منا من شرد إلى خارج أرضه وأقصي وهمش واضطهد وحرم من أبسط حقوقه المشروعة. وهناك من حوكم محاكمة صورية في محاكم الشعب الغبراء المأجورة، والشعب في الجنوب لا علاقة له بهذه المحاكم الهوجاء وقضاتها المجردين من القيم والأخلاق الإنسانية».
ويضيف بافرج: «حصل كل ذلك بالرغم من أننا أقسمنا اليمين بأن لا نخون الثورة ولا الثوار، ولا الوطن مهما تعالت أصوات الخلافات في صفوفنا. لكن للأسف كانت المؤامرة و ذيولها أقوى وأبعد مما كنا نتصور سياسياً وأمنياً. لقد نجحت أيادي الغدر والخبث والمكر والتدليس في شق الصفوف، وإحداث شرخ عميق في جسم الوطن والثورة».
ويتابع بافرج: «ثم انتظرنا على رصيف الصراعات والدورات الدموية من خلال الإنقلابات والقتل بالبطاقة الشخصية وعن طريق أسلوب المناطقية والقبيلة والفئوية وتحت مبررات عشوائية وتسميات لا يقبلها عقل ولا منطق، ما زاد الطين بلة وأدى إلى تدهور الأوضاع. وكانت آخر دورة دموية يوم الهزيمة الكبرى، الانحدار العظيم لقوى الشر، يوم الثالث عشر من يناير 1986، اليوم الذي قضى على الكل، وأفضى إلى طريق كان ينتظرها الشمال على فارق كبير من الصبر والانتظار، وتحققت له جميع توقعاته».
معاناة
وعن حال مناضلي أكتوبر الحضارم، يقول بافرج: «هناك ثوار حقيقيون يتألمون، إلا أنهم صابرون على قضاء الله وقدره، لكنهم في الحقيقة يستحقون الإهتمام والالتفات من قبل الحكومة و التحالف لتوفير معاشاتهم التقاعدية وسبل العلاج خارج الوطن، إنصافاً لأدوارهم الشريفة والنظيفة على مدى مرحلة طويلة من تاريخ الصراع الفاشل التي شهدها الجنوب من العام 1986 وحتى العام 2015م... و هؤلاء جميعاً نموذج لكل مناضلي محافظات الجنوب الست».
تغريدة بحاح
بدوره، يرى نائب الرئيس اليمني السابق، خالد محفوظ بحاح، أن تاريخ اليمن السياسي حافل بالعديد من الفرص التي أهدرت «دونما استثمار نافع ينتشل البلاد والمجتمع الذي اضطر دوماً للتعايش» مع الإنتكاسات السياسية التي مرت بها مسيرة الثورة خلال الحقب الزمنية المتعاقبة.
فرصة الثورة
ويعتبر بحاح أن «الثورة مثلت فرصة حقيقية أولى لبناء الدولة في اليمن، قبل أن توأد تلك الفرصة في رحم الإشتراكية العالمية». ويضيف: «كانت عدن المدينة الأكثر بريقاً بين شقيقاتها العربية، وجاء يوم 14 أكتوبر 1963م حاملاً فرصة للملمة كل السلطنات والمشيخات في دولة واحدة، نجحت الثورة وحصل الإستقلال ووحِدت السلطنات، غير أن الفرصة ضلت الطريق عندما اختار حكام الجنوب الإشتراكية العالمية كمنهج وقيم وإطار خاطئ للمجتمع، فكانت حالة نشاز عن المحيط الطبيعي، ففشلت التجربة السياسية التي امتدت لثلاثة وعشرين عاماً، وتراجعت عدن خطوات في ظل تقدم شقيقاتها».
الوحدة
ويعتقد بحاح أن الفرصة السانحة الثانية لبناء الدولة في اليمن، تمثلت في إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م، والتي «أحيطت بميراث كل ما حدث شمالاً وجنوباً من انتكاسات، ووضعت الوحدة اليمنية كفرصة خلاص ممكنة في ظل تنامي الرغبة عند مجاميع واسعة من الطامحين للتغيير، لكن لم تكن النوايا كافية ولا صالحة لاستثمار ثالث الفرص، والتي وقعت لاحقا في شِراك ما تعثرت فيه الفرصتان الشمالية والجنوبية، فنالت الوحدوية نصيبها من الخيبة، ثم تضاعفت الخيبة بما نتج بعد حرب صيف 1994م من نتائج سلبية فشلت السنوات بمعالجتها في إطار وطني، وتمت شيطنة وملاحقة كل من تحدث عن ذلك».
الحراك الجنوبي
وعن نشأة الحراك الجنوبي في 2007م كفرصة ثالثة، يتابع بحاح: «تنامى ذلك الصوت في ظل غياب المعالجات، حتى بلغ مرحلة التفكير بإعادة النظر في شكل الوحدة، والحقيقة الماثلة أمامنا اليوم أن مطالب الجنوبيين باتت أمام أتظار العالم في عصر سادته مؤخراً ظاهرة الإستفتاءات وتحديد المصير، مما يضاعف الضغوط لتقديم الحلول الجذرية حسب توصيف مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن في إحاطته الأخيرة. فرفع المظالم وإقصاء الفاسدين بل والتعجيل بوضعهم على قائمة العقوبات الدولية سيسهم حتماً في إخراج المشهد إلى وضع تصحيح المسار الفعلي. فما ذُكر عن الزعماء الذين يغتنون ويرفضون الحلول كي لا يفقدوا السيطرة يُعدّ توصيفاً دقيقاًجاء من أروقة الأمم المتحدة، وهو صوت المواطن الذي ينادي به، لعل أحداً يستجيب لإنقاذه من هؤلاء جميعاً».
ثورة الشباب
وحول الفرصة الرابعة، يرى بحاح أن «ما حدث في فبراير 2011م من محاولة شبابية، يعتبر كسراً لكل ما في المسار السياسي التقليدي من صراعات معتادة بين الرموز السياسية أنهت حياة حكام اليمن جنوبيين وشماليين بين لحد ومنفى، لذلك تعتبر حركة شباب التغيير واحدة من الفرص المهدرة، بعد أن ضخت القوى التقليدية صراعاتها خلال مؤتمر الحوار الوطني، وأضعفت الدولة بتلك الصراعات، فسمحت لجماعة الحوثي بالإنقلاب في 21 سبتمبر 2014م».
الفرصة الخامسة
وعن الفرصة الخامسة، يعتبر بحاح أن ثمة فرصة أخرى تلوح أمام الأجيال الجديدة، «فرصة للحياة، وفرصة للنهوض في وجه الفساد السياسي متى ما نجحوا في استثمار الفرصة الخامسة، وتجاوزوا عقدة التركيبة السياسية، وواجهوا قضاياهم بصدق وشجاعة».
التعليقات