بالقطع، ليست العودة إلى حقبة ما قبل ثورة 21 أيلول 2014 مطلباً للشارع اليمني الشريف، لكن حملةً مثابرة تسعى مستغلةً آلام الشارع المثخن بأكلاف زمن الوصاية، وأكلاف الثورة عليها، لتجعل الأمر يبدو كذلك، دفعاً بالضحايا إلى حضيض القنوط من انفساح أفق الخلاص، وجعلهم يتندمون على كونهم أرادوا العيش بكرامة ذات يوم، فيسلّموا رقابهم طائعين لزرد تحالف الجلادين، نظير فتات العيش الذليل الراكع!
لا ريب أن الأوضاع المعيشية لغالبية اليمنيين باتت اليوم كارثية بصورة غير مسبوقة. وفي مناخ بهذا السوء، تسجّل مطابخ قصف الوعي الشعبي، إذ تحمِّل الثورة تبعات هذا المآل، تقدّماً ملحوظاً في ميدان النفوس المحطمة، يوارب خلفه تحالف العدوان الأمريكي السعودي وضعه الكارثي الداخلي وهزائمه وإخفاقاته وانحساره الملحوظ في ميدان المواجهة العسكرية مع مقاتلي الجيش واللجان الشعبية.
بمنأى عن المنطق التبريري الذي يتلافى الإقرار بكارثية الوضع، ونقد الذات الوطنية اتكاءً على شماعة الآخر العدو في السالب من صغائر الأمور وعظائمها، يمكن القول إن ثمة جملة عوامل متعلقة بأداء الجبهة الوطنية الداخلية تساعد حملات قصف الوعي في تحقيق مبتغاها. يسيطر تحالف العدوان على منابع الثروة النفطية بالكامل، ويعيق تدفق الإيرادات الضريبية والجمركية إلى الأوعية المركزية، وتشل أساطيله الحربية الأنشطة المستثمرة في الموارد البحرية بصفة شبه كلية، عدا عن الشلل التام للملاحة الجوية في نطاق سيطرة الجيش واللجان بفعل القرصنة والحصار اللذين يزاولهما التحالف على السماء اليمنية منذ ثلاثة أعوام.
كل تلك التحديات المعلومة للجميع وضعت الشارع اليمني الشريف أمام خيارين: إما توقيع صك استسلام غير مشروط للعدو وتمكين مشروعه الإستعماري التفتيتي من العبور دون مقاومة، وهكذا تنزلق اليمن بشراً وتراباً في سحيق مآلات أكثر كارثية مما هي عليه اليوم. وإما مجابهة العدوان وإفشال مشروعه والنهوض بأكلاف المجابهة مهما كانت باهظة، لأنها تضع اليمنيين على درب الخلاص الناجز، وتؤكد جدارتهم بالحرية والاستقلال والحياة الكريمة الممكنة خارج أقفاص الوصاية.
إزاء هذا المفترق، اختار الشارع اليمني الشريف أن يمهر صك الخلاص بدمه، على أن يوقع صك الإستسلام بالمداد الرخيص. ومن خياره الحر الواعي هذا، انبثق المجلس السياسي الأعلى وحكومة الإنقاذ الوطني، وأنيط بهما أن يحوّلا جملة التحديات التي فرضها العدوان على شعبنا لتركيعه، إلى فرص لاختبار جدارة الذات وتفجير طاقاتها الخلاقة واجتراح مضامير إنتاجية تضع البلاد والشعب على عتبة مستقبل عصامي يكونان فيه فاعلاً وازناً فعالاً، لا مضماراً لفعل الآخر العدو بالتبعية له.
لقد أخفق الإطاران السياسي والحكومي في ترجمة رهان الشارع اليمني للأسف، وبرهنا أنهما ليسا نداً حتى للإيفاء بممكنات حاجاته تخفيفاً من وطأة الأزمات المتكالبة على عاتقه، عوضاً عن أن يكونا الرافعة الصلبة والحامل الكفؤ لتطلعاته المستقبلية الكبيرة والوازنة. ربما جسرت تجربتا «السياسي الأعلى» و«الإنقاذ» المسافة الآيلة لاستثمار العدو، في العلاقة بين فرقاء القوى الوطنية، لكنها باعدت ووسعت المسافة التي كانت مجسورة بين القيادة الثورية والشارع اليمني. وثبت من ممانعة «بيروقراطية الإنقاذ» إزاء تبني حزمة الـ«12 نقطة» التي اقترحها السيد القائد عبد الملك الحوثي عليها لتعزيز الصمود في مواجهة العدوان وتهيئة أرضية الخلاص من الوصاية، أن المسار الثوري التحرري لا يمكن له النفاذ من خلال الأطر التقليدية الكسيحة المستلبة نشأةً ومساراً لمفاهيم وإملاءات الغرب الإمبريالي.
هل يتعين علينا أن نبدد الوقت في خناق «الإنقاذ» تلافياً لخسارة الوفاق السياسي؟! أم أن على الثورة أن تبتكر أطرها خارج هذه التجربة العاثرة، فتكسب الشارع اليمني، وبذلك تكون كسبت جوهر الرهان الشعبي الذي حملها بالأمس مخلصاً وواثقاً إلى فضاء 21 أيلول؟! إن الطريق إلى الحرية والاستقلال يتعبد بالتعبئة الثورية لحرب التحرير الشعبية الكفيلة بفرض السيادة على الموارد الوطنية الواقعة تحت الإحتلال، وذلك غير ممكن إلا بفرض سيادة الرؤية الثورية على الأوعية الإدارية والمالية الواقعة في نطاق الجيش واللجان، وإنهاء البيروقراطية المعيقة للتعاطي المرن والفعال مع معاناة الشعب.
إننا بحاجة لشراكة ثورية لا دبلوماسية ثورية... وهذا هو التحدي الماثل أمام الثورة.
التعليقات