خلافاً للقناعة السائدة لدى شريحة واسعة من النخبة العربية، والتي ترى في روسيا لاعباً يتوافر على شروط الحضور المؤثر في جملة الملفات الساخنة المصيرية في الشرق الأوسط، تبدو روسيا محض لاعب بالمعية حتى على مستوى الملف الأبرز والوحيد (الأزمة في سوريا)، الذي اضطلعت خلاله بدور رئيس (مجازاً).
في عقود ما قبل الثورة البلشفية (1917) رزحت روسيا تحت سطوة ولعها بالمفاهيم وأنماط التفكير الأوروبية (الألمانية والفرنسية تحديداً) في مختلف المناحي السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، حد الخجل من ذاتها الآسيوية بالمعظم، والعجز المقرون بعدم الرغبة في اكتساب شخصية وطنية خاصة معبرة عن حاجات واقعها الموضوعي ومنبثقة عنه.

وعندما اندلعت الثورة البلشفية وجدت روسيا نفسها اعتسافاً وقد أصبحت أممية منمحية ومحلقة في فضاء أيديولوجي كوني فضفاض، وكما حالت العقود السبعة السوفياتية بينها وبين أن يكون لها ملامحها الوطنية الخاصة، فإن الانهيار الباغت للإطار المركزي الأيديولوجي الضخم، أسلمها مجدداً لسالف ذوبانها وتماهيها بلا ملامح في الخضم الأوروبي الذي لا يقر لها بوشيجة نسب تربطها به سوى شقرة الشعر والبشرة، دوناً عن السمات الذهنية والعقلية، فروسيا في توصيف فريدريك نيتشه مجرد «وحش أشقر».
إستعادة كبريات شركات الطاقة المملوكة للدولة من أشداق غول الخصخصة والاستثمار الأجنبي السهل واستنقاذ المؤسسة العسكرية (الجيش الأحمر) والمخابرات (الكي جي بي) من ثلاجة التقاعد القسري وقيد بوصات من هاوية التسريح والهيكلة، كان المتغير الوحيد والأهم الذي شهدته روسيا وحفظ لها قدراً لا بأس به من ماء الوجه والهيبة البيروقراطية المسفوحة عقب الحرب الباردة. وهو متغير سُجِّل كماركة باسم فلاديمير بوتين القادم على صهوة «أوليغاركيا وطنية» غيورة على ميراث القوة الواقع في مهب غزوات الاستحواذ الأجنبي وطامعة فيه بوصفها أولى به من الغرباء ومقامري البورصات الأوروبيين.

تبدو روسيا في كل ذلك شبيهة بتركيا العثمانية إبان انهيار الامبراطورية وبزوغ الدولة الوطنية الحديثة من رحم البيروقراطية العسكرية، ويمثل بوتين نسخة روسية من كمال أتاتورك لجهة نجاح كليهما في كبح جماح التداعي الجيوسياسي لأطراف الامبراطورية عند الحدود الوطنية لمركزها، مع عجز كليهما في استيلاد مسار ونهج ذاتيين للدولة يمنحها هويتها المائزة المحدثة، الأمر الذي يجعل من روسيا كتركيا: مستلبة لصالح المنتصر الغربي ومتماهية مع مفاهيمه على شتى المناحي.
إن روسيا لاعب بالمعية لكل الملابسات الآنفة وليست لاعباً بالأصالة عن رؤية استراتيجيا جذرية لجملة القضايا والتحديات التي تواجه شعبها. بتعبير آخر يمكن القطع بأن «أوليغاركية بوتين» تصدر في مواقفها عن حاجة البيروقراطية العسكرية لتأييد سلطتها على الدولة الروسية وحاجة سوق البورصة والرساميل الاستثمارية متعدية الجنسية إلى تأبيد سلطتها على الشعب الروسي بتواطؤ معلوم القيمة والريع مع دولة الأوليغاركيا.
هكذا فإن حضورها الشرق أوسطي اليوم، هو أقرب إلى استثمار ممكنات الكسب المبذولة بين محوري المقاومة الأصيل من جهة و«الاعتدال» الوكيل لـ«واشنطن ـ تل أبيب» من جهة مقابلة.
يتعلق الأمر بما يتيحه اللعب مع هذا المحور من مزايا ترفع رصيد قيمة اللاعب بالمعية، لدى المحور الآخر وتقسره على بذل مزايا استقطاب أعلى قيمة!
التعليقات