ارتخاء القبضة الأمريكية التقليدية المطبقة على الشرق الأوسط، يتمظهر أحد أبرز تداعياته في صورة انقسامات بنيوية عميقة غير قابلة للاحتواء بين طيف كياناته الوظيفية، كما هو الحال اليوم بالنسبة للاشتباك الحاد والبارد بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة وقطر من جهة مقابلة.
بروز الخلافات البينية الخليجية على هذا النحو من الحدة والعلنية، ليس أمراً محبذاً للمدير التنفيذي الأمريكي كما يعتقد كثيرون ممن يرون في هذه الخلافات عملاً من تدبير الولايات المتحدة، ترمي من خلاله لاستنزاف خزائن قارونات الخليج، حد تأويلهم.
لا ريب أن الاصطياد الأمريكي في مياه الأزمة العكرة قائم، لكن الأزمة في مجملها تمثل صدعاً في صفيحة النفوذ الأمريكية الحيوية، لم يكن بمقدور واشنطن تلافيه عوضاً عن أن تسهم عمداً أو ترغب في حصوله. إن أمريكا تصطاد أجل، غير أن إيران والصين وروسيا هي الأخرى تلقي سناراتها وشباكها في المياه العكرة للأزمة ذاتها، وتحصد ريوعاً استراتيجية أثمن من كل المليارات التي عادت «ترامب فاميلي» محملة بها إثر غزوتها الكبرى على الرياض في مايو الفائت.
واشنطن، باستثمارها على هذا المستوى، أشبه برجل استغل حادثة حريق نشب في منزله ليسطو على محتوياته، وفي أحسن الظن لينقذ ما تيسر منها، فيما يبدو الاختراق الإيراني الصيني للبيت الخليجي تحت مظلة عمال إطفاء، أشبه بولوج منبوذين إلى مخدع الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض!
قيمة قطر كانت مرهونةً بنجاح «الربيع العربي الإخواني» في بسط السيطرة على زمام الجمهوريات العربية، ومن ثم النفاذ إلى حياض العائلات المالكة الخليجية ومشاطرتها السلطة بمبدأ «أنظمة معدَّلة ثورياً»، وبالنتيجة ربط أوروبا بالغاز القطري عبر أنبوب يخترق سوريا وصولاً إلى المتوسط، بغية تقويض قوة روسيا المتمثلة بالأساس في كونها محطة الغاز الأقرب والوحيدة لجهة تأمين الحاجة الأوروبية إلى هذا الوقود، بما يترتب على ذلك من ريوع سياسية لروسيا غير مرغوب فيها أمريكياً.
فشل «الربيع» في مصر تحديداً وتالياً تونس، كان الضربة الأنكى لرهان القيمة القطرية حصرياً، في حين مثَّل فشله في سوريا واليمن والعراق الضربة القاضية لمجمل أرصدة القيمة الكائنة والمأمولة لكل من السعودية، الإمارات، وقطر، وبالنتيجة لأمريكا الامبراطورية كمدير تنفيذي للمشروع بالعموم.
طمحت قطر من خلال «الربيع» إلى تحقيق نفوذ في كنف المشروع الأمريكي انطلاقاً من شح رصيد نفوذها كبلد طفرة نفطية محدثة، فيما طمحت السعودية والإمارات إلى مراكمة المزيد من النفوذ انطلاقاً من وفرة رصيد نفوذ سابق، ضمن المشروع ذاته، فكانت الأكلاف المرتدة على خلفية إخفاق المشروع بالمجمل، أكثر فداحة بالنسبة للأخيرتين منه إلى قطر، بحساب فقدان القيمة والدور والنهوض بعبء الفواتير المترتبة على هذا الإخفاق لحساب امبراطورية أمريكية مجروحة بشدة وآيلة للانحسار.
تدفع الكيانات الوظيفية الثلاثة صاغرة تكاليف مرهمة حزمة جروح الولايات المتحدة وأزماتها، فيما تقف عاجزة لجهة مرهمة جروحها وأزماتها الداخلية المتفاقمة والفاغرة للذباب بانتظار نجدة أمريكية لن تصل!
إن رياح التناحر الخليجي لا تجري اليوم بما يشتهيه قراصنة اليانكي، وذلك مؤاتٍ لمساكين يعملون في البحر، كان من ورائهم ملوك يأخذون كل سفينة غصباً.
التعليقات