بات المدير التنفيذي الأمريكي أشبه بأسد معدني أجوف، يراهن في حضوره على قوة الزئير الناجم عن خواء القدرة على الفعل إزاء خارطة هيمنة شرق أوسطية تفلت مكوناتها من يده تباعاً. الهزلي أن وكيله السعودي يتعاطى مع هذه الريوع الثقيلة من الخيبات بوصفه أسداً حقيقياً!
طيف المواقف الأمريكية الصاخبة على مستوى أكثر من ملف في الشرق الأوسط، تعدياً إلى الموقف من التجارب النووية الكورية، يشير إلى أن الولايات المتحدة أضحت تنتهج استراتيجية كبح الجَزْر المتفاقم في صفيحة نفوذها الجيوسياسية العالمية، بعد ثبوت عجزها عن مواصلة انتهاج استراتيجية توسيع نطاق النفوذ، في لحظة تاريخية مثخنة بالخيبات.
غير أن المملكة السعودية تتلبسها حالة من اليقين بقدرتها على أن تسوِّي بنان النفوذ الأمريكي المتآكلة المجذومة، وتحيي رميم عظامه كأحسن وأصلب مما كان عليه في ريعان الهيلمان الآفل.
وبينما تتقاطر الحكومات الأوروبية إلى طهران لتطبيع العلاقات معها منذ مواربة أزمة النووي الإيراني باتفاقية دولية وإجماع واسع الطيف، تبدي السعودية استعدادها لاحتلال إيران في ثمان ساعات على حدّ قول وزيرها السبهان، وتتأهب لمحو حزب الله من الوجود، وتتلقى للعام الثالث ركلات قاسية على مؤخرتها الجنوبية من مقاتل يمني حافٍ، وضربات باليستية يمنية باتت جغرافيا المملكة تحت طائلتها وفي مهب سعيرها بالكامل.
إن ذهنية الوكيل السعودي المسكونة بوهم القدرة المطلقة على مراكمة المكاسب تضاعف من أعباء الأصيل الأمريكي المتكيف مع واقع عجزه التاريخي، والساعي لإعادة هيكلة منظومة نفوذه بغية تثبيت متوالية خسائرها عند الحد الأدنى، تلافياً لأفولها المطلق.
لذا، فإن الإدارة الأمريكية تعيد توجيه جنوح الذهنية السعودية وشططها، ليصب في مجرى حاجتها لإنتاج كيانات وكيلة متكيفة بدءاً بالمملكة التي تغلي وتتشظى في دورق الهيكلة اليوم على نحو مسموع ومنظور، وصولاً إلى مفترق نتيجتين: تخليق حامل وظيفي جديد للمصالح الأمريكية مرن إزاء متغيرات المنعطف التاريخي، أو نفوق الحامل القديم تحت وطأة موجبات هذا التحول البنيوي، وبزوغ وجود أصيل في الجزيرة العربية لا سلطة لأمريكا عليه، يجترح كيانه الجيوسياسي الخاص الحامل لمصالح وقضايا شعب الجزيرة والأمتين العربية والإسلامية.
إن مأزق السعودية الوجودي على خلفية فشل رهانات المدير الأمريكي في المنطقة، هو في جوهره البنيوي الجيوسياسي مأزق الكيان الصهيوني ذاته. على أن ذهنية هذا الأخير مغايرة كلياً لذهنية السعودي في قراءتها لمتغيرات الاشتباك وموازين القوى واستشرافها للمآلات.
أبرز تعبيرات هذه المغايرة يتمظهر في إقرار الكيان الصهيوني بصعوبة وكلفة مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، وهو الذي احتل في ستة أيام مساحة تعادل ثلاثة أضعاف ما يسيطر عليه خلال اشتباك عسكري مع ثلاث دول عربية عام 1967م، مقابل مملكة تتهاوى مدنها تحت أقدام مقاتل بلا راتب ولا عتاد حديث، وتحدد ثماني ساعات لاحتلال إيران!
التعليقات