مادامت الصواريخ اليمنية أطاحت بعذرية المملكة السعودية، وبفحولة القبة الفولاذية الأمريكية الحامية لها، فإن التهديد اليمني أو «القادم من اليمن ـ حدّ توصيف العدوان» لم يعد تهديداً لأمن المملكة والخليج فحسب، فكل المستظلين بهذه التقانة الجبّارة باتوا تحت طائلة التهديد ذاته بمن فيهم الكيان الصهيوني.
إن هذه المقاربة السعودية ـ الإماراتية لمستجدات الاشتباك عقب «باليستي الرياض»، تملي على مجموع المستهدفين الافتراضيين الانتقال إلى طور أكثر علنيةً وإلحاحاً من التشبيك والتنسيق والتعاون الخليجي العربي مع الدولة العبرية، وذلك هو المغزى من انعقاد قمة وزراء خارجية الدول الأعضاء في «الجامعة العربية» بطلب سعودي الأحد الفائت.
في حالة دولة مستقلة تشن عدواناً غير مبرر للعام الثالث على بلد جار وثيق الصلة جغرافياً بها، فإن وقف عدوانها وتطبيع العلاقة معه بناظم حسن الجوار، خطوات حمائية صائبة وميسورة يتحتم عليها اتخاذها فوراً لتلافي تهديد جلي لأمنها بات يمثله جار معتدى عليه أخفقت في كسر إرادته. لكن السعودية ليست مخوّلة بتشخيص مآزقها واتخاذ التدابير الكفيلة بالخروج منها كدولة مستقلة تمتلك قرارها ومفهومها الخاص لحدود ومهددات أمنها القومي.
إنها تتصرّف في كل شؤونها بطبيعة الحال انطلاقاً من كونها محض فزّاعة وخيال مآتة شاخصة عند مدخل مزرعة مصالح أمريكية صهيونية اسمها «خليج البترودولار» يتولى مركز الهيمنة الإمبريالية الأمريكي ووكيله الحصري «إسرائيل» إدارتها فعلياً، لذا فإنه من غير الممكن للفزاعة أن تفتدي رأسها من ضربات المقلاع اليمني بالمقامرة برأس مالك المزرعة.
تقطع مقررات قمة وزراء الخارجية «العرب» المعلومة سلفاً، شك المراوحين في قمقم الحيرة من كون العدوان على اليمن أمريكياً صهيونياً، باليقين؛ فهذه المقررات تنبثق من صلب التشخيص الأمريكي الصهيوني للصراع في «الشرق الأوسط» وصبّت وتصبّ في خدمة مصالح ومآزق وأطماع ومخاوف «واشنطن ـ تل أبيب» بلسان عربي مبين!
تجيير الوجود السوري العريق الممانع والمناهض للهيمنة الامبريالية والانبطاح والتطبيع مع الصهيونية لجهة «الغول الإيراني النافذ» يماثله امتداداً تجيير المسار الثوري التحرري اليمني لذات الجهة، بما يسوِّغ تجنيد الثروات العربية والقرار العربي لجهة «استنقاذ الكيان الإسرائيلي المترنح والمصالح الأمريكية الذاوية في المنطقة» بدعوى مواجهة «الغول الإيراني المهدد للوجود العربي». وبهذا الاعتساف الفاضح لطبيعة وحقائق الصراع يغدو الاصطفاف السعودي ـ الإماراتي ـ الأردني ـ المصري إلى جانب العدو الإسرائيلي في العلن أمراً لايستدعي الحرج بل لابد منه وصولاً إلى المباهاة به بوصفه مكسباً لم تستطعه الأوائل وأمارة عملية على لحمة العرب وفاعليتهم.
إن توجه القيادة الثورية اليمنية «حركة أنصار الله الطليعية» المناهضة لكيان الاحتلال الإسرائيلي والمشاريع الأمريكية للهيمنة والتعبيد، مقروناً بجدارة الدفاع العسكري عن الأرض والعرض والحق في الحرية والاستقلال، حدّ بلوغ عاصمة المملكة باليستياً، هي شواهد مادية مرعبة على حجم الخطر الذي باتت «إسرائيل الأسطورة» في مرماه، لا حجم النفوذ الإيراني، كما أن إخفاق الآلة العسكرية لتحالف قوى العدوان الأمريكي على اليمن أمام صلابة المقاتل الثوري هو معادل موضوعي لهزيمة إسرائيل المؤكدة في أية مواجهة عسكرية مباشرة قادمة ولا ريب، وهذا يعني سقوط ضمانات استمرار الدولة العبرية النازية الدخيلة القائمة على احتكار تفوق الردع الحربي في محيط عربي إسلامي أعزل ونسيج تديره أمريكا بالوصاية والتبعية المطلقة في كل شؤونه.
هذا هو جوهر المخاوف الأمريكية الصهيونية المنزلة بلسان عربي، قوامه جوقة فزّاعات المزرعة الإمبريالية.
التعليقات