ثمة إله عالمي دميم عدواني وشديد الشَّرَه، اسمه السوق المعولمة، يعتجّن لحم الشعوب خبزاً وحنيداً وفطائر (بيتزا وهمبرجر)، ويعتصر دمها نبيذاً وكولا ومشاريب طاقة.
إله تقتتل الرأسمالية الغربية وتقاتل وتشعل الحرائق وتحتل وتستعبد وتستعمر وتسطو وتنهب وتشن الحروب وترتكب المجازر، باسمه منذ الـ«مانيفاكتورة» وحتى المصانع العملاقة والاحتكارات الكبرى الكونية وبورصات المال.
لهذا الإله يسجد الليبراليون طوعاً وطمعاً، والذين لم يسجدوا بالأمس من ملاحدة ومتمردين شيوعيين وتيارات مناهضة للرأسمالية المتوحشة، يسجدون اليوم خوفاً وكرهاً وتكفيراً عن آثام عقود العصيان الخوالي.
لا أحد يجرؤ ـ في راهن الخضوع البشري العميم ـ أن يعقِّب على حكم «الإله السوق» أياً بلغ فحشه وفجوره، ولا رادَّ لقضائه في يقين جماجم المفكرين الكبار والجهلة على السواء بل وفي يقين غالبية ضحاياه والمجني عليهم والمهروسين بجنازيره من «بنما إلى الصومال»!
إن هذا الإله الذميم والزائف يشن عدوانه العسكري المباشر علينا في اليمن ويطبق مخالب حصاره الاقتصادي على بلدنا بوصفنا آخر الملاحدة، ولن ينفك يعتدي ويحاصر إلى أن نتوسل غفرانه ورحمته أو يقضي علينا، ونحن في واقع الحال، فخورون بكوننا آخر الملاحدة ومصرون على أن نعيش ونموت كافرين به، فخلافاً لحظيرة الخنوع والإذعان الكونية، يغمرنا يقين بقدرتنا على أن نقوِّض ملكوت ألوهيته ونورده حتفه وندحض أسطورة حيازته مطلق القوة على أن يحيى الشعوب بالتدفق السلعي الاستهلاكي ويميتها بالحصار والحرب، أو أن يوهمها بلا جدوى مقاومتها له لأنه كامل المشيئة والخلق وفوق نقائص المخلوقات وخارج طائلة الفناء.
كرادلته وقساوسته الأمميون والحقوقيون يذرفون الدموع ويكثرون من النياح للحالة الإنسانية المزرية التي آل إليها الوضع في اليمن، متوقعين أن نضرع إليهم طالبين شفاعتهم لدى «إله السوق».
إن وضعنا المزري والموصوف بـ«الأسوأ عالمياً» في الواقع لا يمثل مشكلاً بالنسبة إليهم ونياحهم ومراثيهم فيه وله، ليست إلا مكاءً وتصديةً يموِّهون بها على الوضع المزري الذي بلغه إلههم المعولم على أيدي ملاحدة اليمن النحيلة والناشفة، ولو لم يكن الأمر كذلك لما استرعى أحاسيس كرادلة السوق أن يبيد شعبنا بملايينه الـ25 جوعاً وقتلاً ومرضاً، ولجرى توصيف انقراضنا أممياً في الخانة التالية لـ«حادث سير عرضي».
أشكروا الأنامل التي كبست زر «بركان 2H» وبعثت به جليلاً مهيباً إلى قلب عاصمة تعودت منذ قرابة قرن أن يبعث إليها العالم برقيات الملق والتهاني بأعياد الجلوس الملكية.
أشكروا هذه الأنامل الباليستية، فبفضل منها خطَّت المنظمات مراثيها الأممية بحق شعبنا الموجوع، وتملقته بسفينتي غذاء تحت مسمى «الضغط على التحالف للسماح بوصول المساعدات»، وقريباً سيتوجب عليها أن تضغط لرفع كامل الحصار تلافياً للأنامل الباليستية ذاتها، أو سيغرق معبد إله السوق الكوني في الظلام ليذعن راغماً ويقر بحق اليمنيين في الكفر به، تحت مظلة «حرية الأديان».
لا خيار سوى أن تتأذى السوق المعولمة لنتعافى وأن تخاف لنأمن، فالعالم أصم إزاء أخبار آلاف المجازر بحق شعبنا، لكن خبر غرق ناقلة وقود في البحر الأحمر وانهيار بورصة دبي كفيل بأن يجعله يسمع ويرى ويتكلم، فالأخبار السيئة تصل بسرعة، في حين أن موتنا الجماعي لا ينتمي إلى هذا الصنف من الأخبار.
التعليقات