يعاود «التحالف العربي» تكثيف الحديث عن مدينة الحديدة، بتوعده بـ«معركة تحرير مدروسة ومُرتب لها»، وذلك لـ«تخليص» المدينة من «أنصار الله» و«تأمين حركة الملاحة الدولية» كما يقول. وثمة اعتقاد بأن «التحالف» يستهدف، من وراء معركته التي طال أمد الحديث عنها، بدرجة رئيسة، قطع الإمدادات المالية لـ«أنصار الله»، التي تعتمد على المحافظة بشكل كبير لتمويل ما يسمى «المجهود الحربي».
وكانت الأمم المتحدة رفضت تعريض الحديدة لمعارك ستؤدي إلى تبعات إنسانية كبيرة على البلد المنهك، فضلاً عن تأثيراتها على حركة الاقتصاد العالمية في سواحل البحر الأحمر.
ولأن تضييق الخناق على «أنصار الله» بات ضرورياً بالنسبة لـ«التحالف»، لاسيما بعد فشل احتجاج صنعاء وانتهائه بمقتل الرئيس السابق، وجد «التحالف» نفسه مرغماً على المخاطرة بالحديدة - حيث تشتد المعارك على حدودها - بمعارك ميدانية وأخرى إعلامية على القنوات ومنصات التواصل الاجتماعي.
يتم التحضر لمعركة الحديدة للسيطرة على الميناء وموارد المحافظة، إلا أن المعركة لن تكون سهلة؛ فالمحافظة تقع أسفل الجبال التي تتبع حجة وصعدة وصنعاء وإب، وهي مناطق تخضع لـ«أنصار الله»، ما يعني توفّر سند وغطاء قبلي مهم، ربما يكون حامياً لظهر الحوثيين، ما سيسمح برفدهم بالمقاتلين.
الحديدة.. قوّة عسكرية لا يُستهان بها
تملك الحديدة «قاعدة الحديدة البحرية»، وهي من أقوى القواعد العسكرية اليمنية المُتواجدة على الشريط الساحلي للبحر الأحمر، إضافة إلى قوات خفر السواحل التابع لوزارة الداخلية، والذي كان تأهيله والإشراف عليه من قبل القوّات الأمريكية. وبالنظر إلى توزيع المعسكرات على مُختلف مديريات الحديدة، فليس من السهولة أن تتم عملية الاختراق الدفاعي للمحافظة على مستوى القوّات البرية.
وتتواجد في الحديدة «المنطقة العسكرية الخامسة»، التي يقع مركز قيادتها في المدينة، وتضم أكثر من 11 قوة قتالية، إضافة إلى عديد من المعسكرات في مناطق متفرقة من المحافظة، وكلّها تحت سيطرة «أنصار الله»، التي تُحكم القبضة على القرار العسكري في المحافظة بعد تهميشها للقيادات العسكرية التابعة لحزب الرئيس السابق، وتبديل عدد منهم بقيادات موالية للحركة، وكل ذلك يتم بهدف الاستعداد لمعركة الحديدة، ولكن ما زال هناك عدد من أفراد قوات الحرس الجمهوري ممن يدينون بالولاء لحزب الرئيس السابق، وأغلب هذه القوات هي من أبناء المناطق الجبلية، مع تواجد خفيف لأبناء المناطق التهامية.
«الغلبة المؤتمرية»... هل تنفع؟
يُنظر إلى الحديدة بوصفها محافظة «مغلقة» لـ«المؤتمر الشعبي العام»؛ على اعتبار أن كل أعضاء مجلس النواب عن المحافظة هم من حزب «المؤتمر»، عدا واحد فقط من حزب «التجمع اليمني للإصلاح». كذلك، على مستوى المجلس المحلي، يُمثّل حزب «المؤتمر» نسبة كبيرة من قوام 578 مقعداً للمحافظة؛ إذ يشغل «المؤتمر» 534 مقعداً، مقابل 17 لحزب «الإصلاح» (جناح الإخوان السلمين في اليمن)، فيما يمثل حضور الأحزاب اليسارية (الحزب الاشتراكي والتنظيم الناصري) في الحديدة نسبة ضئيلة.

هذه «السيطرة المؤتمرية» على المحافظة قد تُشكّل إرباكاً للحوثيين في حال أعلن «المؤتمر» تأييده وانضمامه لـ«معركة التحرير والشرعية اليمنية»، لكن السيطرة ذاتها لا يُمكن القياس عليها، لاسيما أن استهداف «التحالف» المنازل والمرافق المدنية في المحافظة أكسب «أنصار الله» تأييداً كبيراً في مواجهة «العدوان». تأييد يرى البعض أنه شهد فتوراً بفعل ما توصف بأنها «ممارسات تعسفية» من قبل سلطات صنعاء بحق أبناء المحافظة.
التاريخ... هل يُعيد نفسه؟
لا يمكن التنبؤ بسقوط الحديدة بيد «الشرعية» المدعومة من السعودية، أو بقائها بيد «أنصار الله»، لكن التاريخ قد يُعيد نفسه. فخلال فترات مُتقطعة من الحرب اليمنية - السعودية (بين العامين 1924 و1934)، استطاعت السعودية السيطرة على محافظة الحُديدة، قبل أن تنسحب منها بموجب اتفاقية الطائف.
لكن التاريخ نفسه قد يجعل معركة «التحرير» تنتهي في الحديدة؛ فكما حدث في السابق، فإن المرتفعات الجبلية قد تمنح «أنصار الله» القدرة على حماية صنعاء من أي دخول ومن أي اتجاه، ما يجعل «التحالف العربي» يضع رهانه على قطع الإمدادات المالية عن «أنصار الله»، وليس مواصلة الزحف نحو صنعاء، وبقية المُدن الواقعة تحت سيطرة الحركة.
التعليقات