تقع الحديدة على بُعد 226 كيلومتراً من صنعاء. تحُدّها من الشرق محافظات المحويت وصنعاء وذمار وإب التي تقع كلها تحت سيطرة حركة «أنصار الله»، ومن الغرب البحر الأحمر، ومن الجنوب تعز، كما تحُدّها من الشمال محافظة حجة القريبة من صعدة، المعقل الأصلي للحركة، والتي تُحاذي الحدود السعودية.
موقعها الجُغرافي وتنوع تضاريسها وغنى ثروتها جعلها محط أنظار الطامعين في الاستحواذ على أراضيها والاستفادة من مزارعها الشاسعة. ومن هؤلاء قبائل «الجبالية»، وهي قبائل من الشمال تعاملت مع أبناء الحديدة بنوع من التمييز على أساس اللون، وعمدت إلى تغييبهم عن المشهد السياسي وصناعة القرار.
هكذا، تم التحكّم بموارد الحديدة وموقعها، وطالها الكثير من التهميش، وغاب صوت أبنائها عن المنظمات الدولية والساحة السياسية. كذلك، فإن المحافظة التي تُعد ثاني أكبر محافظة من حيث عدد السكان، لم ترفد الساحة بإعلاميين لهم ثقلهم في المجتمع، أو مؤثرين على الساحة الإعلامية سوى بشكل نادر، ما أدى إلى وضعها على هامش اهتمامات الإعلام والصحافة، على الأقل قبل انتشار صور المجاعة، وقبل زيارة وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية والمنسق في حالات الطوارئ، ستيفن أوبراين.
ولم تكن التضاريس الجغرافية المتنوعة التي تتتمتع بها الحديدة محل فائدة كبيرة لأبناء المحافظة، بل سبّبت لهم الكثير من المشاكل، حتى أن نضالهم التاريخي عبر ثورة «الزرانيق» (قبيلة من قبائل الحديدة)، التي اندلعت ضد حُكم الإمام طوال عقود ما قبل ثورة 26 سبتمبر 1962، تم تغييبه تماماً، وتناوله كحركة تمرّد وليس كإحدى لبنات قيام ثورة 26 سبتمبر.
مٌقاومة سرية انتهت باعتقالات
سيطرت «أنصار الله» على الحديدة في نهاية العام 2014، ولم تشهد المحافظة على إثر ذلك أي تحركات علنية رافضة لتلك السيطرة، لكن تحركات سرية (يُرجّح أن أفراداً من قبيلة الزرانيق يقفون خلفها) أمكن رصدها في تلك الفترة. وبحسب المعلومات المتوفّرة، فإن وزيراً في الحكومة «الشرعية» حاول في وقت لاحق استدراج دعم «التحالف» لتلك التحركات، وبعد عمليات بحث تم التواصل مع أحد مشايخ الزرانيق وإبلاغه نية «التحالف» تقديم دعم تسليحي للقبيلة عبر البحر.
هذا العرض قوُبل بالرفض من قبل «الزرانيق» خوفاً من تحول «المقاومة» إلى «فيد»، وخوفاً كذلك من تدمير المدينة، ولذا ظلت «المقاومة» تقتصر على التعرض من حين إلى آخر لأطقم عسكرية وقيادات موالية لـ«أنصار الله». بقيت «المُقاومة» بهذا الشكل حتى أكتوبر 2015، حين قامت «أنصار الله» بحملة اعتقالات واسعة في حارتي اليمن والحوك،‎ للبحث عن «مطلوبين»، يُرجّح أنه تم اعتقال الكثير منهم نظرًا لتوقّف عمليات الاستهداف.
الحُديدة تُقلق «التحالف» والجيش الأمريكي
مثلّت الحديدة مصدر قلق لـ«التحالف»، فقد تعرضّت 13 سفينة وأكثر من 10 زوارق حربية لاستهداف من قبل القوّات البحرية والدفاع الساحلي اليمني الموالية لـ«أنصار الله». كما تم استهداف بارجة عسكرية إماراتية في 29 يوليو 2017 قبالة سواحل المخش، وتم إحراق زورق حربي في الـ24 من الشهر ذاته أثناء قيامه بالتشويش على الرادارات اليمنية.
وفي 25 يونيو 2017، تم استهداف سفينة إنزال حربية قبالة سواحل مديرية المخا جنوب غرب محافظة تعز. سبق ذلك في الـ14 من الشهر نفسه استهداف سفينة حربية إماراتية في سواحل المخا. واللافتَ هنا أنه تم تنفيذ أربع عمليات استهدفت بوارج خلال أقل من شهرين. ومؤخراً هددت «أنصار الله» في الـ11 من نوفمبر 2017 باستهداف ناقلات النفط والبوارج الحربية التابعة لدول «التحالف» في حال استمرار إغلاق ميناء الحديدة.
وكان الجيش الأمريكي قد أعلن، في أكتوبر 2016، تعرض بارجة أمريكية قبالة السواحل اليمنية لهجمات صاروخية متعددة، دفعت البحرية الأمريكية إلى تنفيذ ضربات صاروخية استهدفت منصات رادار في شواطئ مدينة الحديدة على ساحل البحر الأحمر.
استعدادات القتال وتوافد القبائل
مع بدايات الحديث عن معركة «تحرير» المحافظة، شهدت الحديدة توافد قبائل جديدة وقيادات عسكرية استعداداً للمعركة. وانقعد في مارس المنصرم اجتماع ضمّ عدداً من القادة العسكريين الموالين لـ«أنصار الله»، وأبرزهم نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء علي الموشكي، والعميد موسى العريمي، نائب شؤون الضباط، والعميد يوسف حسن المداني، الذي يُعد القائد الميداني لـ«أنصار الله» والمؤثر الأول في الحركة. وبحسب المعلومات، فإن الاجتماع كان بغرض التباحث في كيفية إدارة العمليات العسكرية.
وقام رئيس «المجلس السياسي الأعلى»، وهو القائد الأعلى للقوات المُسلّحة التابعة لحكومة صنعاء، صالح الصماد، بزيارة جزيرة كمران في أغسطس الماضي. كانت الزيارة المفاجئة برفقة وزير الدفاع، محمد ناصر العاطفي، ورئيس هيئة الأركان العامة، محمد عبد الكريم الغماري. وبحسب ما أوردته وكالة «سبأ»، التابعة لـ«أنصار الله»، حينها، فإن الزيارة جاءت لبحث أوضاع المواطنين في الجزيرة.
ويحكم «الحوثيون» قبضتهم على القرار العسكري في المحافظة بعد تهميشهم للقيادات العسكرية التابعة لحزب «المؤتمر»، وتبديل عدد منهم بقيادات من الحركة، وكل ذلك يتم بهدف الاستعداد لمعركة الحديدة.
وأيضاً، يحكم «أنصار الله» قبضتهم السياسية على المحافظة. وحتى يونيو الماضي، كان يُديرها نايف عبد الله صغير، الملقّب بـ«أبو خرفشة»، وهو أحد أقارب زعيم حركة «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، ليتم استبداله بأبو إدريس الشرفي، فيما يدير المحافظة أمنياً العقيد عبد الحميد إسماعيل المؤيد، كمدير أمن.
التعليقات