متخمين بضآلة الذات والقزامة المباهية، يطلُّ معظم «المحللين العرب» على شاشات التلفزة، ليقاربوا متغيِّر الاشتباك عقب «باليستي اليمامة اليمني»...
يقاربون الضربة الصاروخية الأجرأ على الرياض بوصفها «مقامرة غير محمودة العواقب من قبل الحوثيين!»؛ ولا علاقة لاجتزائهم الرد اليمني من سياق الاشتباك وقراءته كفعل انفرادي، بكون هؤلاء المحللين من أكلة حساء مطابخ العهر الإعلامي الملكية، فالأنكى من ذلك أنهم عاجزون بالقصور الذاتي ـ عن النظر أبعد من حدود مستنقع شعورهم باللاوزن والدونية إزاء مخاض الوجود اليمني الوازن والعصامي، والمقتدر على اجتراح حياة عربية كريمة خارج خارطة قنانة يحدها الحذاء الأمريكي من نواحيها الأربع، وتحيط بها كرابيج الكاوبوي الكوني من كل اتجاه.
لو كنت ـ معاذ الله والشرف ـ محللاً في أقنية الذلة العربية وحفياً بسلامة نياق البترودولار من شيوخ وأمراء وملوك، فسألفت انتباه جلالتهم وسموهم إلى مضامين خطاب السيد عبد الملك الحوثي بوصفها الأخطر من كل ضربة باليستية يمنية سابقة وراهنة ولاحقة، لكن العبيد مجبولون على الإصغاء لجلبة الأقدام بمحاذاة رؤوسهم ـ لا الإصغاء لحديث الأدمغة وصوت العقل، وعلى الإذعان للسعات السياط في ظهورهم لا لوخز حروف المتريث الناصح الحكيم حين يخاطب أدمغتهم متلطفاً ومحذراً من مغبة التمادي وتبعات عدم الإرعواء!
إنهمك محللو مستنقع الدونية المزمنة، في المكاشفة بذعرهم إزاء صاروخ «تجاوز الخطوط الحمر، واقتحم مضجع المليك المفدَّى»، والمثير للشفقة أن ذعرهم من هول الصفعة التي تلقتها الرياض، تقمَّص هيئة الذعر على صنعاء الصمود من عواقب جدارتها في الدفاع عن نفسها بهذا المستوى من الاجتراء المقتدر، بعد ألف يوم عدوان وتجويع وحصار وتقتيل وذبح وجرائم مروعة مشهودة بحق حجرها وبشرها، وتاريخها التالد والطريف!
في المقابل، أغفل هؤلاء الجوقة من المذعورين استكباراً خطاب سيد الثورة الذي بدا أقرب إلى سفر تكوين يمني خالص منه إلى محض خطاب سياسي حافل بالوعيد كما جرى اختزاله في تناولات الخفة الإعلامية، وهو الخطاب الأطول والأكثر توافراً على ملامح ومحددات المشروع الوطني التي تفتقت عنها تباعاً ثورة الـ 21 من أيلول خلال أطوارها المتعاقبة والثرية بالأحداث منذ بزوغها مروراً بتجربة الشراكة الفخ الأولى، المتمثلة في اتفاقية السلم والشراكة السابقة للعدوان، والأخرى المتمثلة في اتفاقية الوفاق السياسي بين مكوني «الأنصار» و«المؤتمر» إبان العدوان، وصولاً إلى منعطف الخيانة والفتنة وجدارة وأدها في زمن وجيز.
بمنأى عن الشماتة والتشفي ـ إثر ضربة اليمامة ـ راح سيد الثورة عبد الملك الحوثي يرفع قواعد النهضة المقبلة ويرسي مداميكها نظرياً، داعياً مختلف الطيف الشعبي إلى تجنيد وتحشيد كل الطاقات لترجمة الآمال الوطنية الكبيرة على أرض الواقع الذي بات معبَّداً أكثر من أي وقت مضى لاستيعاب جهود وطاقات كل الشعب بلا استثناء أو إقصاء أو تهميش أو وصاية عليهم من أحد لجهة ما يصبون إليه من مستقبل وازن كريم وكينونة خلاقة نقية من شوائب الإملاءات...
إنه خطاب ثوري يمني يتوافر محلياً على الشروط الذاتية الأصيلة لريادة انبعاثة وطنية مغايرة كلياً لسياق عقود الوصاية، كما ويتوافر إقليمياً على إمكانات الاستقطاب الثوري، وشغل الفراغ الطليعي لمجتمعات الجزيرة العربية المقهورة، في النطاق الديمغرافي الأضيق لأفق التأثير والتثوير الفاعل والممكن.
ذلك ـ بالتحديد ـ هو الأخطر والأفدح الذي أغفله محللو البترودولار، منهمكين في تناول أعراضه كصدى مذعور لضربة باليستية (إيرانية ـ حد تجييرهم) سيعقبها المزيد إذا استمر تحالف العدوان في مناطحة صخرة الإرادة اليمنية وفي محاولاته كبح طوفان أشواق الحرية والاستقلال في يمن أيلول الثورة والصمود والتحدي.
التعليقات