لم تكن مصيدة التسلل المتمثلة في حملة الاستقالات الرئاسية والحكومية الجماعية عام 2014، إلا واحدة من المصايد اللئيمة التي دشنها صبيان الخليج - واشنطن في اليمن بإيعاز من أربابهم بغية الإيقاع بثورة الـ21 من أيلول وعزلها وإجهاضها بإفراغ هياكل الدولة من معظم الموارد البشرية المسيِّرة للشؤون العامة.
زامنت مصيدة التسلل السياسية والإدارية هذه، مصايد أخرى إعلامية وأدبية وفنية لم تسترع الانتباه رغم لؤم مغزاها وخبثه، بفعل خفوتها قياساً بصخب نظيرتها على المستوى البيروقراطي للدولة.
أخلى معظم مشاهير الإعلام والأدب والفن مواقعهم تماماً كما فعل هادي ووزراؤه والقيادات الوسطية في الحكومة، عزلاً للقوى الثورية وزجاً بها في عراء الشرعية تمهيداً لعدوان تحالف أرباب هذه الجوقة من دمى المشهد اليمني بمختلف لافتاته التي ثبت عملياً أنها لافتة واحدة لسلطة الوصاية من حيث الوظيفة على تعدد ألوانها ومسمياتها، فالحاكم هو المعارض هو الإعلامي هو الفنان والأديب والكاتب، وهو اليسار واليمين والوسط بحساب التبعية وواحدية الوجهة.
لقد تضاعف هذا اليقين خلال مجريات سنوات العدوان الثلاث، فنوافير الدم وأهرامات الأشلاء لم تحرك أوتار الفنانين ومخيلات الشعراء والأدباء وريشات التشكيليين المعدودين في مصاف النخبة والرموز والأعلام، عوضاً أن يستفز غيرتهم الوطنية المنقوعة بالبنج والمورفين، تحويمُ طائرات الغزاة والمعتدين فوق وسائد نومهم وانتهاكها لزرقة سماء السيادة اليمنية، وهم الذين قضَّوا مضاجعنا لعقود بقعقعات «أنا يمني، برع يا استعمار، لن ترى الدنيا على أرضي وصياً».
حين داست مدرعات شواذ الإمارات والجنجويد واللاتين والإنجليز، طهر الراية «المنسوجة من كل شمس»، وتحرش أوباش الاحتلال بحرائر عدن، قَرَعْنا باب عطروش وطارش والحداد فقيل لنا إنهم طاروا لإحياء حفلة عرس نجل شهبندر التجار في القاهرة ووليمة ختان آخر العنقود نجل شاهين شاه المرتزقة في الرياض، وعيد ميلاد ربة الصون والعفاف ابنة كبير جارسونات مقاصير الحريم الأميري في أبوظبي.
حين عجنت صواريخ «الإف 16» لحم أطفالنا تحسسنا ألوان فجيعتنا في لوحات آمنة النصيري والهبوب والعاقل ونزار، فاصطدمنا بملامح شامتة لسائحات شقراوات، ومتاهة فارغة وبلا نهاية في كل اللوحات، ولم نعثر على ملامحنا وفصيلة دمنا في أيٍّ منها!
حين افترست وحوش الجو الامبريالية أضلاع «الحوك والهندي والمحاوي وبيوت الصفيح وأكباد الصيادين وقوارب الصيد»، بحثنا عن خيمة عزاء تضطجع إليها أوجاعنا وموال مواساة يمرهم أرواحنا في أوراق علي المقري ووجدي الأهدل وعلوان الجيلاني فلم نجد إلا قصائد عصماء وتهويمات وألغازاً وأحجيات تتملق لجان «البوكر والعويس والبابطين» وتلعق حساء «ملك الحزم والعزم والظفرات» بامتنان وضَعة ووضاعة.
حين حملنا البنادق لنثأر للأرض والعرض وشرف الراية وطهر التراب وحرمة الدم، لم نجد ذخيرة نحشو بنادقنا بها سوى نتاجات عيسى الليث ولطف القحوم والنبهان والذيفاني ومعاذ الجنيد ومحمد الجرف وأمين الجوفي والمتميز والحاكم والغولي وضيف الله سلمان وعلي النعمي وأحمد عطا وأسد باشا ومصطفى المحضار وطه الشرقبي ويحيى الشامي وفضل النهاري وعبدالحافظ معجب وعلي الزهري ومحمد ناجي ومحمد النوعة والغرباني والويسي والوشلي وعبدالعزيز والتاج وعبدالرقيب المجيدي ومحمد الحميقاني وشايف العين وصلاح العلي وبشرى الغيلي وطلال سفيان... لم نجد زمزمية الماء والخوذة والضماد والكاشف وزيت السبطانة ومرهم الكبسونة سوى في نتاجات هؤلاء المجرة من النجوم والشموس والأقمار الطالعة من فلك الوطن والدافقة من عرق الشعب وفي عروقه والمحلقة في مدارات الثورة ضد الاستكبار والهيمنة الامبريالية والتعبيد جرياً لمستقر الحرية والاستقلال.
إن بحر أيلول الثورة أكبر من أن تكبح دفقه مجارير النفط أو تلوثه جيف صبيان وصايتها الأحياء الموتى، أو تنقص لججه الزاخرة قطرات سخام تفلتت لتصب في مستنقعات القار والزفت أمس أو اليوم أو غداً.
التعليقات