إلى حين قصف طيران «التحالف العربي»، الذي تقوده السعودية في اليمن منذ مارس العام 2015، منزل حارس حديقة النصب التذكاري المصري، المطل على صنعاء من جهة الغرب، أواخر ديسمبر الماضي، تكاد تكون المشاركة المصرية، منسية ومغيبة عن تناول الإعلام اليمني في الداخل، بشقيه المؤيد والمواجه للعاصفة، والتي تطوي بعد أشهر قليلة، عامها الثالث على التوالي.
هل أصبح محمد الريمي، أبو علي الحاكم؟
صباح الأحد 25 ديسمبر العام 2017، أفاق سكان صنعاء، على دوي 5 غارات متتالية لطيران «التحالف»، استهدفت مبنىً صغيراً ملحقاً بمقر سكن حارس حديقة النصب التذكاري المصري، أسفرت عن مقتل وجرح 12، بينهم أطفال من أفراد أسرة المواطن محمد الريمي، في حين أعلنت مصادر إعلامية لـ«التحالف»، استهدافها قيادياً رفيعاً في حركة «أنصار الله»، الأمر الذي أثار تساؤلات قاطنين في المنطقة «هل محمد الريمي أصبح أبو على الحاكم؟»، قبل زيارة رئيس «اللجنة الثورية العليا» التابعة لـ«أنصار الله»، محمد علي الحوثي، ورئيس جهاز الإستخبارات، اللواء عبدالله يحي الحاكم «أبو علي»، صباح اليوم الثالث للموقع، وتفقدهما أضرار القصف في زيارة علنية، وحسم الظهور الإعلامي جدل الشارع، وصد شائعات استهدافهم في غارات التذكار المصري!
السفارة المصرية آخر من يعلم
عبدالله عباس، الموظف في إدارة الحدائق العامة، قال في حديث إلى «العربي»، أنهم بصدد حصر حجم ونوع الأضرار في أعمدة التذكار وملحقات حديقته العامة، ومن ثم الرفع بها إلى الجهات المختصة، وفيما إذا تم إبلاغ السفارة المصرية في صنعاء بالواقعة، التي استهدفت معلماً تاريخياً لبلادها، أشار عباس الى أن ذلك، يعد من اختصاص وزارة الخارجية، مؤكداً أنه عليهم «حصر الأضرار وتقدير كلفة الترميم، ولا علاقة لنا بالشأن الدبلوماسي».
من جانبها، رفضت حراسة السفارة المصرية، السماح لمراسل «العربي»، بطرق بوابة السفارة للتعليق على الحادثة، بحجة عدم وجود موظفين في السفارة، مشيرةً إلى أن السفارة «ليس لديها علم بالحادثة»، وأن وجود موظفين داخلها، لا يعني أنهم مخولين بالحديث في هذه القضية تحديداً.
متنفس سياحي لسكان صنعاء
وافتتحتا الحكومتين اليمنية والمصرية في العام 2006، النصب التذكاري المصري في صنعاء، على هامش اجتماعات لجنة حكومية حينها، بعد عملية ترميم شاملة لمحتوياته، ويخلد النصب التذكاري، الشهداء المصريين أثناء الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر، والمقدّر عددهم بنحو 20 ألف جندي مصري من أصل قرابة 70 ألف شاركوا في ما سمي حرب الدّفاع عن الجمهورية ضد القوات الملكية، المدعومة من السلطات السعودية حينها، ويمتد النصب التذكاري المصري، على مساحة 8 آلاف متر مربع، ويضم في جنباته، حديقة عامة متكاملة، محاطة بسور حول الموقع، الذي يعد إحدى متنفسات سكان صنعاء، ويشمل مظلات للجلوس وأحواض أشجار وممرات عامة ومدرجات زراعية.
ذكريات مصرية أليمة
وللنّصب التذكاري المصري، دلالات وأبعاد سياسية وتاريخية، بما خلده في الذاكرة المصرية، من ذكريات أليمة في أذهان المصريين، حيث يشكل التدخل العسكري المصري في اليمن، عقدة تاريخية عسكرية، ويعيد إلى الأذهان، مواجع فترة الستينات، حينما تدخل الجيش المصري في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لمساندة الثورة اليمنية، حيث تحول هذا التدخل، وفق سياسيين، إلى حرب استنزاف وحرب بالوكالة خاضتها ضده السعودية، وهي الحرب التي أودت بحياة آلاف من الجنود المصريين، وكانت، كما يرى كثيراً من المحللين العسكريين، أحد أسباب هزيمة يونيو في العام 1967.
دوافع غامضة وتاريخ كابوسي
وفي أبريل من العام 2015، أعلن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أن بلاده أرسلت قوات جوية وبحرية فقط للمشاركة في عملية «عاصفة الحزم» في اليمن، مؤكداً أنه في حال إرسال قوات أخرى سيعلن عن ذلك، وقال حينها: «لا أتخذ قراراً منفرداً، وكل قراراتي فى صالح أمن وسلامة الوطن»، وفي يناير 2017، أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري، تمديد مشاركة العناصر اللازمة من القوات المسلحة المصرية في مهمة قتالية خارج الحدود، للدفاع عن الأمن القومي المصري والعربي في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر وباب المندب، وبحسب مصادر إعلامية مصرية، فقد جاء القرار إعمالاً للفقرة (ب) من المادة 152 من الدستور، التي تشترط أخذ رأي المجلس الأعلى، ولا يزال الجدل قائماً حول دوافع ومكاسب مصر من التدخل في النزاع الدائر في اليمن، خاصة في ظل التاريخ الكابوسي للتورط المصري في التدخل العسكري في اليمن.
ظاهرة شكلية
وحدد حجم المشاركة المصرية في عاصفة الحزم، بعدد 16 طائرة مقاتلة، و4 سفن حربية، وفرقاطة بحرية، ويرفض النّاشط المصري، شريف الروبي، إدخال الجيش المصري في معركة غير تابعة له، معتقداً أن «إقحام الجيش المصري في حرب اليمن، ستضعف من قوة مصر ومن الاقتصاد المنهار فى الأساس»، ويعتبر الناشط اليمني، عمار أبو هادي، مشاركة مصر في «عاصفة الحزم»، ظاهرة شكلية، معتقداً أنّ مهمة القاهرة في هذا «التحالف»، تقتصر على تأمين المملكة العربية السعودية من أي تهديد خارجي، وعلى وجه الخصوص من إيران، وكذلك تأمين باب المندب، خشية قطع الملاحة البحرية العالمية، والتي من خلالها ستعيق ملاحة مصر على وجه الخصوص، وتؤثر على عائداتها الاقتصادية، معتبراً أن المشاركة المصرية، جاءت «بضغط مصحوب بإحراج سعودي».
الأمن مقابل المساعدات
ويرى الباحث المصري في الشؤون السياسية، شحاته عوض، أن مشاركة مصر في «عاصفة الحزم»، انطلقت من عوامل ومحددات عدة، منها ما يتعلق باختبار مصداقية خطاب النظام السياسي المصري، عن أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر، مشيراً إلى ارتباط المشاركة بالدعم الاقتصادي والسياسي الضخم، الذي قدمته السعودية لمصر، لاسيما في مرحلة ما بعد 3 يوليو العام 2013.
واعتبر عوض، أن «المشاركة في هذه العملية، في أحد وجوهها، جاءت ردّاً لجميل الرياض تجاه نظام الرئيس السيسي، أكثر ربما من كونها تعبيراً عن قناعات مصرية كاملة»، كما أنها جاءت ترجمة لما يسمِّيه البعض، مبدأ «الأمن مقابل المساعدات»، الذي اعتمدته السياسة الخارجية المصرية منذ حرب تحرير الكويت.
وبين قدرتها على الوفاء بالتزامها بمساندة السعودية، ودعم الاستقرار في اليمن، ومخاوفها من الانزلاق إلى حرب برية تنكئ جراحها القديمة في جبال اليمن، تبدوا المشاركة المصرية في عاصفة الحزم السعودية، محفوفة بحزمة من المحاذير والشّكوك المريبة والحسابات الغامضة، إن لم تكن بمثابة «شاهد ما شفش حاجة»...!
التعليقات