ليست مجرد موجة صقيع تتسبب في إتلاف المحاصيل الزراعية، وإصابة الأطفال وكبار السن بأمراض متعددة، فللبرد في قرية بيت معدن، مديرية بنى مطر، محافظة صنعاء، قصة أخرى، تروي فصولها حكايات يتناقلها أبناء المنطقة جيلاً بعد جيل، قصة مقاومة طبيعية، لأكثر المناطق الجغرافية ارتفاعاً، وأكثرها انخفاضاً في درجة الحرارة في فصل الشتاء. القرية تقع على مقربة من قمة جبل النبي شعيب، الذي يعد أعلى قمة جبلية في شبه الجزيرة العربية والشام، حيث يصل ارتفاعه إلى 3670 متراً عن سطح البحر. تنخفض درجة الحرارة هناك، إلى نحو 5 درجات تحت الصفر، في الشتاء، فيما تبقى أجواء المنطقة باردة نسبياً في فصل الصيف.
بيوت زراعية لحماية المحاصيل
كغيرهم من معظم سكان الأرياف في اليمن، يعمل سكان قرية بيت معدن في مجال الزراعة، وتحديداً في زراعة الحبوب والفاكهة الجبلية، لذلك استبق أهالي القرية فصل الشتاء هذا العام وبرده القارس، بتغطية مزارعهم ببيوت زراعية تقدمها جمعيات تعاونية أهلية، وبمساهمات من منظمات محلية وأجنبية، بهدف حماية المحاصيل الزراعية، ووقايتها من موجات الصقيع. يقول عبدالله ناصر، أحد أبناء القرية، في حديث إلى «العربي»، إنه لم يتمكن جميع سكان القرية من الحصول على مثل هذه البيوت الزراعية، كما أن فصل الشتاء هذا العام، مختلف عن الأعوام الماضية، فدرجة الحرارة مرتفعة جداً، والمياه تتجمد في شبكات الري والأنابيب المنزلية والأحواض المائية.
«ليس على بيت معدن صلاة...»
يُردّد الناس هنا حكاية مرتبطة بالبرد الشّديد في المنطقة، تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وتقول إن سكان قرية بيت معدن، وهي إحدى قرى خمس تحيط جبل النبي شعيب، لم يستمروا في قيام صلواة الفجر في أوقاتها، ما دفع الحاكم في حينها، إلى إرسال مبعوث له لتحري الأمر والتحقيق فيه، غير أن موفد الحاكم، وحينما وصل القرية، عجز هو الآخر عن الوضوء لأداء صلاة الفجر، وأصيب بوعكة صحية أقعدته لأيام، وحينما تعافى، أرسل ببرقية إلى الحاكم جاء فيها: «ليس على بيت معدن صلاة، ولو كانت أصابعهم من حديد!».
نزوح موسمي
تراجع حجم الإنتاج الزراعي، وانتشار أمراض البرد بين الأطفال وكبار السن، دفع بعدد غير قليل من سكان القرية إلى النزوح، عند أقارب لهم في مناطق أخرى، ويشيرعلي حسن المحفدي، من أبناء القرية، في حديثه إلى «العربي»، إلى مقاومتهم البرد بوسائل تدفئة تقليدية، باستخدام الأغطية (البطانيات) والحطب، وذلك في ظل إستمرار انقطاع التيار الكهربائي، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، ويضيف المحفدي، «يؤدّي البرد إلى إصابتنا بأمراض كثيرة بين فترة وأخرى. يُصاب الأطفال بالتهابات اللوزتين، فيما يصاب كبار السن بالرّوماتيزم وآلام المفاصل ونزلات البرد الحادة».
إستباق موجات الصقيع
قبيل فصل الشتاء، يجلب سكان قرية بيت معدن حاجياتهم من أقرب الأسواق إلى منطقتهم، وهو سوق مدينة متنة، الواقع على الطريق الرئيسية التي تربط العاصمة صنعاء بمدينة الحديدة (غرب اليمن)، وفي مقدمتها لوازم مقاومة البرد، مثل الملابس الصوفية، والأدوية والفحم، وفي العادة ما يرتدي المواطنون هنا سترات طويلة، يصنعونها من جلد الماعز المدبوغ، ويطلقون عليها اسم «الكرك»، وقد يصل وزن الواحدة منها إلى أربعة كيلوغرامات. وفي حديثه إلى «العربي»، يعتقد عبدالله غالب، أحد كبار السن في المنطقة، أن العمل الشاق ربما يعمل على تدفئة الجسم، وبالتالي مقاومة البرد، لكن الارتفاع المتزايد في درجة الحرارة هذا العام، تجاوز قدرة أجسادهم على المقاومة، ولذلك إضطر غالب، للنزوح بأطفاله عند أقارب لهم في مدينة صنعاء، يترقبون كل ليلة حالة الطقس وأخبار الأحوال الجوية، وعلى أمل العودة إلى منزلهم عند إنخفاض درجة الحرارة وعودة الدفء إلى قريتهم.
التعليقات