كل طرف سنحاوره على المقلب الآخر النقيض للجبهة الوطنية المناهضة لـ«العدوان»، هو طرف يمثل أجندة ضمن مجموع الأجندات الناهضة بـ«مشروع العدوان» وغاياته وأطماعه ومصالحه غير المشروعة في اليمن.
هذا هو، بطبيعة الحال، البرزخ الذي يجعل من تَقَاطُع الضفتين حول مشتركات يمكن البناء عليها لجهة إنجاز تسوية سياسية في اليمن، أمراً مستبعداً، وفي حال حصوله فإنه لن يفضي إلا إلى تسوية هجينة؛ كانت قائمة بالأساس قبل 26 مارس 2015 في صورة اتفاق السلم والشراكة وأجهضتها آلة «العدوان» العسكرية.
دشن «تحالف قوى العدوان الأمريكي» عملياته العسكرية منذ البدء، مستهدفاً الإجهاز على هذه التسوية الهجينة وتخليق معادلة سياسية يمنية تتعدد وتتباين الأطراف المنضوية فيها كأدوات وظيفية على مسرح التبعية المحضة لمركز الهيمنة الدولية في واشنطن وفروعه الإقليمية في الشرق الأوسط والخليجية تحديداً.
وليتسنى له ذلك، كان لا بد من الإجهاز على حركة «أنصار الله» في الحد الأعلى بوصفها دخيلاً راديكالياً ثورياً لا يمكن القبول به ضمن المعادلة السياسية التقليدية في اليمن.
على أن ثلاثة أعوام من الإخفاقات العسكرية في تصفية المكون الثوري الأنصاري وتعاظم قوة هذا الأخير شعبياً وسياسياً وعسكرياً، قد تدفع واشنطن إلى الجنوح لمباركة تسوية سياسية هجينة متعددة الأجندات يكون «أنصار الله» طرفاً فيها، ويغدو معها اليمن نسخة أخرى من لبنان ذي البوابات المشرعة رسمياً على تباينات النفوذ الإقليمي، بناظم عقد طائفي سياسي يتمظهر خلاله فضاء العلائق الاجتماعية كأرخبيل من الجزر المعزولة ومتفاوتة الأحجام، في ظل تفاقم ضمور الدماغ الشعبي الجمعي والعجز عن ترجمة مشروع الدولة الوطنية كطموح إيجابي على أرض الواقع.
تُردد قفازات ودمى تحالف العدوان على اليمن، عبارة واحدة مقيتة مفادها «لن نسمح بنشوء نسخة أخرى من حزب الله في اليمن»، وبتظهير المسكوت عنه في هذه العبارة فإن تحويل اليمن إلى نسخة أخرى من لبنان هو مطلب متفق عليه بالنسبة لمجموع هذه الدمى على تباين أجنداتها (سعودية وإماراتية وقطرية)، بما هو مطلب لمديرها التنفيذي الأمريكي المحرك لها في نهاية المطاف.
إن «أنصار الله» وحلفاءهم من تيارات العمل السياسي والثوري الوطني هم في المنظور الأمريكي «النشاز المحوري» الذي يحول دون «لبننة اليمن» على النحو المريح والمواتي لأطماع واشنطن في اليمن، تماماً كما أن «حزب الله» وحلفاءه من تيارات وطنية ممانعة ومقاومة للتعبيد، هم «النشاز المحوري» الذي أفسد على واشنطن مناخاً سياسياً طائفياً قائماً راهنت عليه في تحويل لبنان إلى «كباريه بلا طموح ولا قضية وطنية وقومية ولا ذات» وشعبه إلى «أرتال من الجارسونات والسماسرة وصبيان الكراجات والبلاجات السياحية» المفتوحة على شهوات البترودولار والموساد.
إن فرض مشروع الدولة الطائفية أو دولة الطائفة على لبنان وشعبها، كان الانتصار الكبير الأبرز الذي حققته الكولونيالية الغربية في صراعها مع القوى والحركات التحررية الوطنية والقومية العربية، في حين كان بزوغ «حزب الله» المقاوم بمثابة رد الاعتبار الوحيد للوطنية اللبنانية المجني عليها والوجود العربي المترنح الآفل، كما وهزيمة قاسية للامبريالية المنتصرة حينها.
أما بالنسبة لـ«أنصار الله»، فإن سياق بزوغهم الموضوعي والتاريخي كان انتصاراً للهوية الوطنية اليمنية الجامعة واستنقاذاً لها من شفير «التفتيت واللبننة باسم الأقلمة»، في حين أن قبولهم بتسوية سياسية تقوم على مبدأ تعايش الأجندات الإقليمية في هذا الطور الوازن من أطوار ملحمة التحرر الوطني الكبرى سيكون بمثابة القبول بحتفهم وحتف الوطن، وانتصاراً لتحالف قوى العدوان الامبريالي.
إن الخيار اليوم هو بين وطن أو لا وطن، لا بين فيدرالية أو كونفدرالية، فشكل الدولة يقررها أبناؤها الوطنيون الخُلَّص وليس متعهدو الأجندات الإقليمية، لذا فإن صراع الكينونة يبقى الناظم لمستقبل اليمن على ضفتين: نكون شعباً كامل الإنسانية أو قطعاناً من الدمى.
التعليقات