شهد حفل الإعلان الدستوري لجماعة "أنصارالله". وصف عند أصحاب "الشّرعيّة" بـ"الإنقلابي". حين بدأت "عاصفة الحزم" ضرباتها الجوّية على صنعاء، أعلن من حضرموت ولاءه للشرعية، فحُسب عند جماعة "الإنقلاب"، من "عيال العاصفة".
لم يلحق بالجنرال على محسن الأحمر، حينما انضمّ عام 2011م لساحة "الثورة الشبابية"، لذلك بقي عند شباب الساحات، أحد رجال صالح. لكن عدداً كبيراً من رجال صالح، لايتردّدون في توصيفه أحد أهم رجال الجنرال، على محسن الأحمر، إن لم يكن ذراعه اليمنى!
إنّه اللّواء الرّكن عبدالرّحمن الحليلي، قائد المنطقة العسكريّة الأولى، "الثّعلب" الرّابض في صحراء ووديان حضرموت، منذ العام 1994م، والقائد الفاتح لوادي "الموت". قيل عنه: "إبيضّ شعر رأسه قبل موعده". خبير إستراتيجي بأدغال حضرموت وطباع أهلها. صنّفته الصحف العربية بالرجل الثاني بعد الجنرال علي محسن. قصير القامة، إلى حدّ ما، لكنّه يعدّ صاحب أطول سجل محاولات اغتيال بين نظرائه من قادة القوّات المسلّحة، بعد 5 سنوات من عمر الأزمة السياسية، والعواصف العاتية على اليمن، مايزال محل استقطاب، ومثار تساؤلات.
من القرية إلى مكتب الأيتام
ولد عبدالرحمن عبدالله الحليلي عام 1371هـ (1951م)، في قرية الحليلة، في مديريّة بني مطر (محافظة صنعاء). متزوّج، له 7 أبناء، 5 ذكور، وبنتان. إلتحق عام 1958م بمكتب الأيتام، في العاصمة صنعاء، قبل إكمال دراسة المرحلة الإعدادية بعد ذلك في مدرسة الوحدة. وبحسب مصادر مقرّبة، لـ"العربي"، التحق الحليلي بالكلّية الحربية، وتخرّج منها عام 1975م بشهادة بكالوريوس في العلوم العسكرية. وتشير المعلومات المتوفّرة إلى تلقّيه عدداً من الدورات العسكرية، منها "دورة دروع تأسيسية في الولايات المتّحدة الأمريكية، عام 1977م، ودورة متقدّمة في قادة الكتائب، في الفرقة الأولى مدرع عام 1984م، ودورة قادة ألوية في معهد الثلايا، في مدينة تعز، عام 1986م"، ليحصد بعد هذه السلسلة التدريبية، عام 1991م، درجة الماجستير في العلوم العسكرية من كلية القيادة والأركان، في مدينة صنعاء.
من قائد فصيلة إلى قائد منطقة عسكرية
عام 1968م، التحق الحليلي بالقوّات المسلّحة. وتقلّد عام 1975م منصب قائد فصيلة في سلاح المدفعيّة، ثم قائد سريّة دروع في اللواء السادس مدرّع عام 1977م، قبل أن يعيّن قائد كتيبة دروع في نفس اللواء عام 1981م، ثم رئيساً للشؤون الفنّية في الفرقة الأولى مدرّع، سابقاً، حتّى عام 1984م. عام 1985، عُيّن أركان حرب اللواء الثّالث عروبة، فقائداً للواء الثّالث عروبة، عام 1992م. في عام 1994، عُيّن الحليلي قائداً للواء السّابع والثلاثين مدرّع، في محافظة حضرموت، وبقي هناك فترة طويلة، حتّى طالته قرارات هيكلة الجيش اليمني، والتي أعادته عام 2012م إلى العاصمة صنعاء، قائداً للواء الثالث مدرّع حرس جمهوري، في قصّة نورد تفاصيلها تالياً:
لم يمكث الرّجل المحارب طويلاً في اللواء، الواقع على تباب مدينة صنعاء الغربية الجنوبية، حتّى أعيد بقرار رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، رقم 22 لعام 2014م، بشأن التعيين والترقية في القوّات المسلّحة، إلى ثكنته العسكرية في صحراء حضرموت، قائداً لنفس اللواء، وقائداً للمنطقة العسكرية الأولى، ونصّت المادة الثانية من القرار على ترقيته إلى رتبة لواء في القوّات المسلّحة. وجاء تعيين الحليلي خلفاً للعميد الصوملي، وبعد عمليات توغّل لعناصر من تنظيم "القاعدة" وسيطرته في مدن ومديريات في المحافظة.
هكذا إذاً، تبدو السيرة الذاتية، للجنرال الحليلي، مفعمة بالعمل العسكري البحت، والمحاط بالسرّية والتكتّم، الأمر الذي يجعل من مهمّة الباحث في شخصية الرجل مهمّة شاقّة، وغير اعتيادية، فعلى المستوى الإعلامي، يسجّل الرجل حضوراً إعلامياً نادراً، ولا تكاد تخرج أحاديثه النادرة، عن السياق البروتوكولي العام للخطابات "المناسباتية" لمعظم مسؤولي الدولة.
تحدّي اقتحام أسوار قوّات النخبة
في 6 أبريل، عام 2012م، صدر القرار الجمهوري رقم 44 لسنة 2012م، بتعيين قادة لبعض الألوية، جاء اسم الحليلي على رأس القائمة، قائداً للواء الثالث مدرّع حرس جمهوري، خلفاً للعميد الركن، طارق محمّد عبد الله صالح، نجل شقيق الرئيس السّابق، علي عبدالله صالح، الذي ساقه القرار الجمهوري ذاته إلى محافظة حضرموت، خلفاً للحليلي في قيادة اللواء 37 مدرّع، وهو اللّواء العسكري الذي يخوض أفراده، خلال الأعوام من 2011 إلى العام الجاري، مواجهات متقطّعة مع عناصر تنظيم "القاعدة".
ولأنّ الأزمة السياسية في اليمن بلغت ذروتها، وارتفع منسوب الإستقطاب السياسي إلى أعلى مستوى له، وجد الحليلي نفسه أمام تحدٍّ من نوع خاص، فمنذ صدور قرار تعيينه قائداً للواء الثّالث حرس جمهوري، في 6 إبريل 2012م، حتّى استلامه مهامّه عملياً، أمضى الحليلي أكثر من 3 شهور متتالية خارج مقارّ عمله، فيما اعتبر حينها تمرّداً على القرارات والشرعيّة الدستورية، ليعدّ بعد ذلك أوّل قائد عسكري يستلم مهامه، في 11 يونيو 2012، بوساطة دوليّة، وحضور مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، حينها، السّيد جمال بن عمر.
وفي رسالة طمأنة، لقوّات الحرس الجمهوري، والطرف المحسوبة عليه، أكّد الحليلي يومها، بدبلوماسية عسكرية، أنه "سيبذل قصارى جهده، ولن يدّخر جهداً، أو يتوانى لحظة، في أداء واجباته الوطنية، إلى جانب زملائه، من أجل الحفاظ على الجاهزية القتالية والفنية للواء، وفي إطار قيادة قوّات الحرس الجمهوري".
قصّة تسلّم اللواء الثالث مدرّع حرس جمهوري
في 11 يونيو 2012م، أعلن رسمياً أنّه "جرى في قيادة اللواء الثالث مدرّع حرس جمهوري، وبحضور رئيس هيئة الأركان العامّة، اللواء الركن أحمد علي الأشول، وأعضاء لجنة الشؤون العسكرية وتحقيق الأمن والإستقرار... تسليم قيادة اللواء للقائد الجديد، العميد الركن عبدالرحمن الحليلي".
وألقى رئيس هيئة الأركان العامّة كلمة، أمام منتسبي اللواء، جاء فيها "قرار رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، بتعيين القائد الجديد للواء، هو قرار الشرعية الدستورية التي يحترمها الجميع، وإن ولاء القوّات المسلّحة والأمن، لله والوطن والشعب، فقط، وليس للأفراد أو الأحزاب".
وسبق هذا الإعلان، بنحو 30 يوماً (3 مايو2012)، إعلان رسمي مماثل تصدّره، هذه المرّة، المبعوث السابق للأمين العام للأمم المتّحدة إلى اليمن، جمال بن عمر، الذي أعلن في مؤتمر صحافي في صنعاء أنه "شهد اليوم عملية تسليم واستلام قيادة اللواء الثالث حرس جمهوري، من القائد السابق، العميد طارق محمد عبدالله صالح، إلى القائد الجديد، العميد عبد الرحمن الحليلي، المعيّن بموجب القرار الصادر من الرئيس عبدربه منصور هادي، رئيس الجمهورية".
وسيط بين صالح وهادي
خلال الفترة التي أمضاها في العاصمة صنعاء، قائداً للواء الثالث مدرّع حرس جمهوري، نجح الحليلي، حسب مصادر سياسية رفيعة تحدّثت إلى"العربي"، في احتواء أزمة إدارة مسجد الصالح، التي كانت احتدمت بين الرئيسين صالح وهادي، ضمن وساطة قادها الحليلي، في الـ 19 من يونيو 2014م، ومعه الشيخ صالح أبو عوجا، كُلّلت باتفاق نهائي، يقضي بتسلم وزارة الأوقاف إدارةَ المسجد، وتوزيع حراسة بوّاباته على أفراد ثلاثة ألوية حماية رئاسيّة، إلى جانب أفراد كتيبة حماية المسجد. كما أعلن، في 31 مايو 2014م، نجاحه في تقريب وجهات النّظر، لحلّ قضية مقتل الشيخ حمد بن سعيد بن غريب الشبواني، وابن أخيه شايف بن محمد غريب الشبواني، في محافظة مأرب.
العودة لحضرموت
بعد شهر واحد من تسلّمه مهامّ قيادة المنطقة العسكريّة الأولى، ومقرّها سيئون في محافظة حضرموت، أُعلن في 6 أغسطس 2014م، وعقب نجاح خطّة انتشار حربية لقوّات الحليلي للتخفيف من كمائن "القاعدة" ضدّ الجيش، أنّ الرئيس هادي وجّه بمنح "قائد المنطقة العسكرية الأولى، قائد اللواء 37 مدرّع، وقائد اللواء 135 مشاة، وسام الوحدة اليمنية، وكذا منح اللواء 135 مشاة، واللواء 37 مدرّع، وسام الشجاعة"، فضلاً عن توجيهه بمنح جميع منتسبي اللواء 135 مشاة، واللواء 37 مدرّع، أنواط العيد الـ 50 للـثورة اليمنية (26 سبتمبر و14 أكتوبر).
سجلٌّ حافل بمحاولات الإغتيال
محاولة الإغتيال التي تعرّض لها الجنرال الحليلي، يوم أمس، الأربعاء 11 مايو 2016م ، ونجا منها بأعجوبة، ليست الأولى، وربّما لا تكون الأخيرة. خلال العامين الماضيين تعرّض الحليلي لأكثر من 10 محاولات اغتيال، تُتّهم فيها عناصر من تنظيم "القاعدة"، وبحسب مصادر لـ"العربي"، تعرّض الحليلي لأربع محاولات اغتيال في أسبوع واحد، العام الماضي؛ أصيب نجله محمّد في واحدة منها، فيما أصيب قائد حراسته، المقدّم علي علي محمد حومي، في اثنتين منها.
على ما يبدو، حرب الحليلي وقوّاته مع الجماعات الإرهابيّة هي معركة دائمة. تقارير إعلاميّة تسجّل "وقوع 175 اعتداء على قوّات الجيش والشرطة، عام 2013م؛ أسفرت عن مقتل وجرح أكثر من 660 ضابطاً وجندياً". وبحسب تحقيق استقصائي نشرته يومية "اليمن اليوم"، فقد جاءت محافظة حضرموت في رأس قائمة أكثر المحافظات التي وقعت فيها اعتداءات على قوّات الجيش والشّرطة، مسجلّة 40 اعتداء، معظمها من نصيب اللواء العسكري الذي يقوده الحليلي هناك.
ترحيل الحليلي من حضرموت
تحت مسمّى "فليرحل الحليلي من حضرموت"، أنشأ ناشطون صفحة على موقع فايسبوك، لتبنّي مطالب إقالة الحليلي، ووصفوه بأنّه "ثعلب مكّار"، وقالوا "إنّه من كبار المفسدين في منظومة صالح، وممن عاثوا في حضرموت إجراماً، فنهبوا ثرواتها وخيراتها، وعاثوا فيها فساداً". وفي إبريل 2015م، شكّك الناشطون في إعلان تأييده للشرعية، داعين الرئيس هادي أن "يعيد النظر في بقائه، كقائد لقيادة المنطقة الأولى، والتعجيل بإقالته"، واتّهم الناشطون الحليلي بـ"تخبئة دبّابات معسكر الخشعة، تحت ظلّ أشجار السيسبان، وتوزيع الدبّابات على الجبال، والمرتفعات الجبلية، ومداخل مدينة سيئون، وبعثر الدبّابات على مختلف النقاط العسكرية، على طول الوادي، من شرقه إلى غربه، دون أي ضرورة أو حاجة تذكر. واعتبروا ذلك تحرّكات مشبوهة و"دليلاً على تبييت خبث نواياه تجاه شعب الوادي".
وفي المقابل، يصف الصحافي محمّد ناصر عجلان، الحليلي، بـ"القائد الصامت ذي النفس الطويل"، ويعتقد عجلان أنّ الحليلي "قائد عسكري من الدرجة الأولى. استطاع أن يحافظ على محافظة حضرموت، وأنه يمتلك من الخبرة والذكاء بالتعامل مع الأشخاص مدنياً وعسكرياً، ما مكّنه من القدرة على أن يكسب ودّ جميع الأطراف، في الداخل والخارج، رغم الظروف الصعبة والخطيرة. ويضيف في حديث لـ"العربي": "نستطيع أن نقول عنه إنه خبير عسكري، ودكتور نفساني، وبروفسور عقلاني".
مواقف متقلّبة... أم متّزنة؟
ورأى ناشطون على شبكات التواصل، عودة الحليلي قائداً للمنطقة العسكرية الأولى، واللواء 37 مدرّع، عودة من جديد "لامتصاص ثروات حضرموت، ونفطها الوفير، بعد امتصاصها لعدّة عقود"، وبحسب هؤلاء، يتّهم الحليلي بالإستيلاء "على كثير من الأراضي والمزارع في حضرموت، والإستحواذ على مستحقّات الجنود المعتمدة من شركات النفط"، ويضيفون "الحليلي يملك متاجر وأسواق كثيرة في ألمانيا والإمارات، ويملك شركات في عدن وفي المكلا"، ويصفونه بأنّه "متعجرف مع ضبّاطه وجنوده، شخص متقلّب الألوان، شبيه الحرباء، لن يُعرف اتجاهه أبداً".
وفي الإتّجاه المقابل، يرى الإعلامي، في مكتب محافظة حضرموت، صلاح العجيلي (من أبناء محافظة حضرموت)، أنّ القائد الحليلي "منذ أن تسلّم مهام عمله، استطاع أن يثبّت الأمن والإستقرار، وأن يرسّخ أسس ومداميك للعمل العسكري والأمني، في وادي حضرموت"، وقال "يكفي أنه، ومعه ضبّاط وجنود الوحدات العسكريّة، استطاع أن يجنّب مدن حضرموت، الوادي والصحراء، ومنها سيئون، دخول عناصر "القاعدة" و"أنصار الشريعة"، رغم محاولاتهم المتكرّرة للإستيلاء على سيئون والقطن وتريم".
وفي حديث لـ"العربي"، يضيف الإعلامي العجيلي "يحظى هذا القائد بشعبية وارتياح كبير، بين أوساط الجماهير، وبالأخصّ عقب النجاحات، التي حقّقها في محاربة عناصر الشرّ في وادي سر في مديرية القطن، الأخيرة" ويرى أنّ "مواقفه متّزنة وحكيمة، من الحروب الأخيرة"، وقال "ينظر له أبناء حضرموت باحترام كبير، وتربطه علاقات تعاونية بمشائخ وعقّال ومقادمة القبائل، بالوادي والصحراء".
الحليلي فاتحاً وادي الموت
في 29 إبريل 2015م، أُعلن تمكّن قوّات الحليلي من تطهير أكبر معقل لـ"القاعدة" في حضرموت، مناطق الوادي والصحراء، وأهمّ معاقلهم وادي سر، الذي يسمّى وادي الموت، وبحسب مصادر عسكرية، لـ"العربي"، فإنّ قوّات الحليلي توغّلت بعمق 85 كلم، بمساندة طيران "التّحالف"، مؤكدّة إتمام السيطرة "على معسكر سودف، أكبر معسكر ومعقل للقاعدة، في الوادي والصحراء". ويعدّ وادي سر، أهم معقل للعناصر التابعة للتنظيمات الإرهابية، حيث يتواجد فيه معسكر تدريبي تابع لـ"القاعدة"، كما كانت تجرى فيه تصنيع العبوات الناسفة، وتنطلق منه العناصر التي تنفّذ العمليات الإنتحارية.
آخر المنشقين
ولأنّ موقف الرّجل بقي متفرّداً، يكتنفه الغموض والحيرة، وربما سوء الفهم، فقد بقي، ولا يزال، محلّ استقطاب لأطراف الأزمة السياسية. حتّى مطلع العام الجاري، تداولت صحف خليجية نبأ انشقاق القائد العسكري، الحليلي، الذي وصفته بالرجل الثّاني، بعد اللّواء علي محسن الأحمر، وقالت إن "اللواء عبد الرحمن الحليلي، قائد المنطقة العسكرية الأولى، أعلن انشقاقه عن علي عبدالله صالح، وانضمامه للشرعية، ووصل إلى العاصمة السعودية، الرياض".
أياً كانت نوايا مواقف الرّجل، غامضة ومحاطة بالشّكوك والرّيبة، وسواء كانت القراءات الصحافيّة لها دقيقة أم مغلوطة، فإنّ ما سيذكره التاريخ، بحسب النّاشط والإعلامي، صادق المقري، هو أنّ "الحرب الأهلية والإقليمية دمّرت دولة اليمن في الجزيرة العربية، وأنّ أحد القادة العسكريين حافظ على مقدّرات الدولة، وحقن الدماء، وحافظ على الأمن في مربّع صغير داخل هذه الدولة، التي تكالب عليها الأشرار، ونشروا فيها الفوضى الخلاقه".
التعليقات