خلال فترة عمل ولد الشيخ كمبعوث لها إلى اليمن، ظلت الأمم المتحدة تعتقد أن استمرار التحالف الأمريكي السعودي في حربه على شعبنا وبلدنا هو الضمانة الأوحد والأجدى لإحياء العملية السياسية التفاوضية وإحلال السلام في اليمن!
هذه القناعة العرجاء وغير السوية، والتي كمنت في القاع من سطح لغة دبلوماسية مليسة ومحايدة نظرياً، ظلت تنتظم مقاربات المنظمة لطبيعة الأزمة في اليمن وسبل إنهائها، على نحو تموضع معه مبعوثها السابق في ضفة ما يسمى «الشرعية» أحياناً وفي ضفة التحالف الأمريكي السعودي بصورة دائمة خلال كل الجولات التشاورية ذات النهايات العقيمة والمدوية المعروفة.
أتحدث عن أداء الأمم المتحدة في فترة عمل «المبعوث» النافق، مستخدماً صيغة الماضي، لا لأن انقلاباً قد طرأ في المحددات الجوهرية الناظمة لدورها وأدائها المشين بالمجمل، لمجرد تسمية البريطاني غريفيث خلفاً للموريتاني ولد الشيخ، وإنما للتأكيد على أن مقاربة «استمرار التحالف في حربه العدوانية لفرض السلام» باتت مقاربة غير قابلة للصرف ويتعين استبدالها بأخرى، تبعاً لمعطيات الاشتباك في طوره الراهن ذي الأفق المفتوح على مسارات مخيفة ومكلفة بالنسبة للمجتمع الدولي والعالم برمته.
قبل ضربة «بركان اليمامة» الباليستية اليمنية ودخول ممر الملاحة الدولية ضمن بنك أهداف القيادة الثورية والسياسية في صنعاء، للرد على سياسة الحصار والتجويع التي ينتهجها تحالف العدوان بتواطؤ دولي وأممي... قبل سياق المعطيات هذه، كان لدى المدير التنفيذي الأمريكي للتحالف أطماع بأعراض جانبية (طفيفة) ومشجعة لجهة المضي في مسار تصعيد عدوانه العسكري على اليمن ضارباً بكل الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية والحقوقية عرض حائط المنظمة الأممية...
غير أن أطماعه اليوم بات يقابلها قدر مكافئ من المخاوف، لجهة التريُّث وإفساح المجال لآلة الحرب الأممية الناعمة المدججة بظهير بريطاني حكومي ضمن ما يسمى «الرباعية» كما وبمبعوث أممي بريطاني أيضاً.
تسعى لندن في الراهن إلى فصل المسار السياسي عن المسار العسكري في اليمن... في المسار الأول تضغط حكومتها باتجاه تشظية صنعاء إلى مكونين حزبيين يفاوض أحدهما انطلاقاً من كونه خصماً للآخر وبمنأى عن الموقف من العدوان على البلد ومشروع احتلاله وتفتيته، بما يفضي لحشر «أنصار الله» في مساحة فعل ضيقة سياسياً أمام اصطفاف «شرعية ترى فيها انقلاباً ومؤتمر يرى فيها انقلاباً».
يمكن لخارطة تفاوضية محلية على هذا النحو من الانتشار والتموضع المحترب، أن تبقي التحالف الأجنبي خارج نطاق المساءلة عن جرائمه وحجر توازن في مشهد التسوية السياسية المستقبلية المأمولة غربياً، كما وملاذاً بالنسبة لمجمل مكونات المشهد الافتراضي القادم...
غير أن حقيقة إمساك القيادة الثورية الأنصارية بزمام المواجهة العسكرية وما ترتب على هذه المواجهة من توغل ميداني مباشر في جنوب المملكة وقدرة استهداف نوعي صاروخي لمساحة جيوسياسية إقليمية شاسعة... كل ذلك يجعل من «الأنصار» يداً عليا سياسياً لا يمكن تكبيلها على طاولة المفاوضات دون احتساب رد فعلها على الأرض أو زنزنتها اقتصادياً في «زاوية شمشون» بمأمن من خطر تداعي المعبد على رؤوس أربابه.
لذا تسعى لندن كممثل لتحالف قوى العدوان الأمريكي، إلى سلخ المسار العسكري اليمني لا سيما الباليستي عبر مقاربته كتهديد إيراني وتدخُّل في اليمن لا كرد فعل دفاعي مشروع في مواجهة عدوان أجنبي على بلد مستقل، وفي هذا السياق دفعت بريطانيا إلى مجلس الأمن بمسودة لمشروع قرار أممي يدين طهران طبقاً لهذه المقاربة المخاتلة والتدليس الشائن، وتتوقع مجموع دول العدوان وعلى رأسها أمريكا من حصول إجماع على هذا القرار، أن تجهز على القدرة الصاروخية اليمنية بيسر وبمباركة دولية وغطاء أممي... وفي الحد الأدني أن تضمن روسيا والصين كلاعبين بالمعية معها نظير تحوير تقترحانه على مضمون القرار.
التعليقات