في المرحلة ما قبل الأخيرة من برنامج استكشاف مواهب الأطفال في الغناء «ذا فويس كيدز» 2018، اختار الفنان كاظم الساهر الطفلة اليمنية، ماريا قحطان، لخوض المنافسة النهائية على لقب البرنامج.
كان فريق كاظم مكوّناً من خمسة أطفال موهوبين، ولم يخطئوا في أدائهم الذي سيترتب عليه اختيارهم للنهائي، لكن قانون البرنامج يحتّم اختيار اثنين فقط. وعندما حانت اللحظة التي كان على كاظم أن يختار، قال: «كنت أتمنى أن يخطئ بعضهم في الأداء لكي يسهّلوا عليّ عملية الاختيار هذه، لكن جميعهم غنّوا بإتقان»، ثم اختار الطفلة اليمنية ماريا والطفل المغربي حمزة الأبيض.
لقد كان في اختياره رسالة سلام أشهرها بشجاعة في وجه الحرب، بدون أن ينتقص من استحقاق الطفلين لذلك التأهل فنياً. وبعبارة أخرى، عبّر كاظم الساهر عن إدراكه لاحتياج اليمنيين إلى أبسط أسباب الفرح.
لم تفز ماريا بلقب البرنامج، لكنها غنّت بأداء مذهل وأكبر من عمرها، مانحة اليمنيين فرحة عاشوها لأسابيع قليلة وهم يتابعون تأهلها من مرحلة إلى أخرى. أربعة أو خمسة أسابيع شكلت خلالها الطفلة ذات الثمانية أعوام نقطة ضوء في حياة قاتمة يعيشها 25 مليون يمني منذ ثلاث سنوات. هي لم تعرف ذلك بحكم عمرها، لكن الفنان الذي عاش حياة قاسية في وطن أحرقته الحروب والفوضى، أظهر، بلا ادّعاء، كيف يحتفظ الفنان الأصيل بانتمائه للإنسان وانحيازه للسلام. هو الذي قال ذات مرة إن أكثر كتاب أثّر فيه كان كتاب أليكسي كاريل «الإنسان ذلك المجهول».
مثل أي شعب يعيش تحت رحمة الحرب، يحتاج اليمنيون إلى صون قدراتهم الفردية والجمعية على الإحساس بالحياة. إذا كانت الحرب قدراً حتمياً، فلا ينبغي أن تفضي إلى تعطيل إدراك الإنسان لأهمية احتياجه للفرح وترويض المشاعر السلبية التي يطمره بها الموت الكثيف من حوله. صحيح أن البحث عن فرحة وسط هذا الكم من الموت والدمار يشبه الرقص في مأتم، إلا أن منطق الحياة يقتضي أن تستمر مظاهرها. على الإنسان أن يمضي بحياته حتى النهاية لأن الوضع الذي تفرضه الحرب وما يصاحبها من جوع وأوبئة غامضة، لم يعد يستثني أحداً من الموت الوشيك. شعور كثيف بالموت كالذي يختبره محكوم بالإعدام أثناء مشيه في الطريق إلى المشنقة، خطوة يتيقن فيها أنه النهاية، وخطوة يراوده فيها أمل بحدوث شيء ما في اللحظة الأخيرة يلغي الحكم أو يحول دون تنفيذه على الأقل.
هكذا يتلمس المحكومون بالحرب خيوط الأمل بمباهج صغيرة تساعدهم على رؤية شمس اليوم التالي. قليل من الفرح يكفي لتفعيل الإحساس بجدوى الحياة، غير أن فرحتهم الكبيرة، الفرحة التي لن يشعروا بها دفعة واحدة ربما، هي تلك المتزامنة مع إعلان وقف الحرب وبدء عودة الحياة إلى طبيعتها، ذلك أن حروب عصرنا لم تعد من النوع الذي ينتهي بإعلان رسمي.
التعليقات