في مقال سابق أشرت إلى أن تطور الاغتيالات في اليمن بدأ باستهداف القوات الأجنبية، وانتهى باغيتال رجال الدين في محاريب المساجد. تناولت فيه كيف بدأ الأمر باستهداف القوات الأجنبية، وكان لهذا العمل عدد لا بأس به من الأنصار كون تلك القوات كانت مشاركة في حروب ضد دول عربية كالعراق، أو مرتبطة بدول كبرى استعمارية، ومع تدرج الاستهداف كانت تقل مساحة الأنصار حتى انعدمت تقريباً، ولم نسمع الصوت قوياً من رجال الدين إلا بعد أن وصلت النار إلى بيوتهم.

الآن في اليمن تبدو لنا اغتيالات رجال الدين بطابعين، الأول اغتيال رجال الدين السلفيين والمقريبين من «الإخوان» في عدن، والثاني اغتيال شيوخ الوسطية من رجال الطرق الصوفية في حضرموت. وفي الحالتين نجد صمتاً من طرف ضد اغتيالات في الطرف الآخر، بمعنى أن هناك من يغض الطرف عن اغتيالات عدن كون رجال الدين محسوبين على تيار مختلف معه، وبالمثل في حضرموت، بل ويتم توظيف الأمر سياسياً، وبدء الاتهامات وتوزيعها شمالاً وجنوباً وتشتيت الرؤية؛ ليتمكن القاتل الحقيقي والمجرم من الإفلات من العقاب.

لا يمكن أبداً إزاحة تهمة الاغتيال السياسي عما يجري، يبدو الأمر جلياً أن هناك جهة مخابراتية ما تقف وراء الاغتيالات، ويجب على الجميع أن يقف ضدها وأن نطالب جميعاً بكشف الفاعل، بغض النظر عن موقفنا من القتلى وتياراتهم، هذا موقف مبدأي لا يمكن أبداً أن نقبل التبرير فيه، ما لم... فإنا سوف ندفع الثمن وسنكون في يوم ما عرضة لهذه السلسلة التي لم ولن تستثني أحداً، كما يدفع الآن رجال الدين ثمن صمتهم في السابق.

الأمر الآخر الذي لا يقل بشاعة عن الاغتيالات في ظل صمت المجتمع والنخب والكتاب والمثقفين، هو اعتقال الصحافيين والكتاب وأصحاب الرأي لا لذنب اقترفوه إلا أنهم قالوا رأيهم على الملأ وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، أحدهم كتب منشوراً فأصبح اليوم الثاني في السجن، بل وأصبح وضعه مجهولاً دون تهمة أو محاكمة، وفي ظل صيغ ردود جاهزة: «نحن في حالة حرب ومواجهة ولا يجوز لك أن تنتقد».

لا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير اعتقال كاتب رأي، ناهيك عن ضربه وتعذيبه وإخفائه واحتجازه دون محاكمة، فإذا كانت كل هذه التصرفات منبوذة مع القتلة والمجرمين، فكيف نقبلها لصاحب الرأي، إن من يبرر اعتقال وضرب وتعذيب الصحافي لأنه انتقد سلطة ما وقت الحرب، فإن هذه السلطة أو غيرها لن تعدم المبرر المناسب لاعتقاله وتعذيبه وقت السلم، التهم واسعة وسوقها رائج، ويمكن تسجيلها في أي لحظة، لكن الجريمة تظل جريمة.
لا يوجد ذوات غير قابلة للنقد، وإذا أردنا أن نحارب الإرهاب فلنحاربه بكل أشكاله وتمظهراته وأول إرهاب هو إرهاب تكميم الأفواه ومصادرة الحقوق، لا يمكن للغاية النبيلة أن تبرر الوسيلة القذرة، فالاحتجاز بدون محاكمة إرهاب، والاعتقال بتهمة الانتقاد إرهاب، وإذا قبلت أن تبرر هذا الأمر فعليك أن تكون مستعداً لتحمل مسؤولية صنع مستبد سيصوغ لك مبرراً جيداً لاعتقالك يوماً ما.
التعليقات