لليوم السابع على التوالي، تبدو أرصفة الشوارع الواقعة أمام محطات تعبئة مادة الغاز المنزلي في معظم أحياء صنعاء، كما لو أنها باتت ساحات اعتصام مفتوحة، حيث ترتص آلاف الأسطوانات المترابطة بسلاسل حديدية وحبال، بامتدادات متفاوتة ما بين 50 إلى 100 متراً، وأحياناً تمتد بأشكال متعرجة، بحسب المساحة المتوفرة أمام أو جوار محطة تعبئة الغاز.
تناوب أسري ليلاً ونهاراً
وفيما لا تزال أزمة الغاز المنزلي تراوح مكانها في إدراج وتصريحات مسؤولي حكومة «الإنقاذ»، يتناوب أفراد الأسرة الواحدة في صنعاء، على مرافقة أسطوانتهم ليلاً ونهاراً، تحت هجير أشعة الشمس نهاراً، ولسعات برد صنعاء القارس ليلاً، أمام أقرب محطة في حيهم السكني، على أمل الحصول على 20 لتراً من الغاز المنزلي بسعر 3 آلاف ريال، كسعر رسمي يقول مسؤولي حكومة «الإنقاذ» إن الحكومة تحاول تثبيته بشكل دائم، وتتهم تجار السلعة بمحاولة افتعال أزمة في المشتقات النفطية ابتزازاً للحكومة لهذا السبب.
فصول معاناة جديدة
أوجه معاناة جديدة، وتراجيديا إنسانية متنوعة، وقصص معاناة محزنة، يرويها معتصمون أمام محطات تعبئة الغاز، منذ ما بين يومين إثنين إلى 3 أيام متتالية، فهذا عبدالهادي العصري، يكمل تناول وجبة الغداء ظهر الأربعاء (7 مارس) على متن سيارة مكشوفة، مع أصدقاء له، تعرف عليهم أمام محطة لتعبئة الغاز، يقول في حديث إلى «العربي» أنهم يعتزمون نصب خيمة على الرصيف مالم يتمكنوا من تعبئة أسطوانات الغاز نهار اليوم، «لنا يومين ننام فوق السيارة وعلى الرصيف وسنضطر لنصب خيمة للمبيت فيها أفضل فالبرد هنا شديد».
نظام «الحدرة»
ولمواجهة نفقات المساربة على أسطوانة الغاز، يقول العصري في حديثه إلى «العربي» أنهم عملوا بنظام «الحدرة في الجيش»، وذلك بتشكيل مجموعات وتجميع قيمة التغذية والمشروبات من أعضاء المجموعات بالتساوي، وجدولة المناوبة على جلبها من الأسواق والمطاعم المجاورة، وفي نفس الوقت حراسة الأسطوانات في الطابور، وانتظار فتح المحطة.
من المدرسة إلى طابور الغاز
وعلى مقربة من العصري، يلاحظ الطالب، صقر عبدالله (13 عاماً)، مرتدياً زيّه المدرسي (المرحلة الإبتدائية)، جوار طابور الأسطوانات، ويقول لـ«العربي» إنه جاء بعد مغادرته المدرسة، للمناوبة بدلاً عن والده الذي ذهب لتناول طعام الغداء، فيما يأتي شقيقه الأكبر للمناوبة ليلاً، وأنهم على هذه الحالة لمدة 3 أيام متتالية.
اعتصام إجباري
وأمضى ناجي محمد ناصر العزي (42 عاماً)، ثلاثة أيام لمحاولة تعبئة أسطوانتي غاز، «أكملنا قيمة الغاز في الإنفاق على الطابور» يقول. وفي حديث إلى «العربي»، يرى العزي أنهم في حالة اعتصام إجباري، يعانون لفحات البرد وحرارة الشمس.
وأضاف «في 2011، خرج الشباب للاعتصام طواعيةً، ونحن اليوم في اعتصام إجباري مماثل، باقي فقط نصب الخيام»، مشيراً إلى أن المحطة قامت أمس، بتعبئة 100 اسطوانة فقط»، وأنها أنزلت قرابة 50 ألف لتر من مادة الغاز المنزلي.
طوارئ منزلية
وفي محطة مماثلة، يروى محمد على القباطي، إنفاقه يومياً مبلغ 2000 ريال، لمدة 3 أيام أمضاها في محاولة تعبئة أسطوانتي غاز. وقال «إذا لم نعبئ اليوم (الأسطوانتان)، سوف أترك المهمة لأحد الجيران فقد تعبت وأتعبت العيال والبيت كله في حالة طوارئ...».
مساربة غاز وبيع «قات»!
طابور المساربون للغاز، أمام محطة الرافدين في منطقة عصر، امتد إلى جوار مركز الهايبر توفير، ماراً بساحة سوق مجاور للقات. وهنا، استغل بائع قات على الجابري الفرصة، فوضع أسطوانة الغاز الخاصة به داخل الطابور، واستند إليها عند بيع القات ظهراً ومساءً، قائلاً: «أمضينا 3 أيام على هذه الحال، ماذا بأيدينا أن نفعل؟ إذا لم أبيع القات، سوف أصرف قيمة الغاز هنا قبل الوصول إلى المحطة».
حالات سرقة وإسعاف مرضى
وفي ذات المحطة، يروى محمد الزنم (32 عاماً)، وقوع حوادث سرقة لعدد 8 اسطوانات غاز خلال 3 أيام ماضية، ووقوع حالات إسعاف لمرضى بين نساء وأطفال.
طوبرة وحراسة
وفي محطّة مماثلة، يقوم الشاب أصيل العبسي (14 عاماً)، بحراسة عشرات الأسطوانات بشكل دائم، مقابل مبالغ مالية ما بين 400 إلى 500 ريال، حيث يجلس على كرسي بلاستيكي، وسط عشرات الأسطوانات. ويقول لـ«العربي» إنه سوف يتصل هاتفياً بملاك الأسطوانات، عند فتح المحطة وبدء التعبئة، ومعظمهم من جيرانه. وأضاف «كتبت أسمائهم على الأسطوانات بأرقام متسلسلة، وقمت بربط الأسطوانات بسلاسل حديدية».
بامتداد الطوابير أمام محطات الغاز، تمتد معاناة سكان صنعاء وضواحيها، في مناظر مؤلمة لنساء وأطفال ورجال، يحتضنون أسطوانات الغاز، مفترشين صناديق ورقية وبقايا مفروشات، ويسترقون لحظات استراحة عابرة، بإغماض أعينهم وأيديهم على خدودهم، آملين إنهاء معاناتهم لا أكثر...!
التعليقات