تشهد محافظة حضرموت النفطية شرقي جنوب اليمن، تردياً كبيراً في ملف الخدمات الأساسية في الآونة الأخيرة، أبرزها الأزمة الخانقة في المشتقات النفطية والطوابير التي لا تنتهي للمركبات أمام المحطات، للحصول على الوقود في حال توفّره بين الفينة والأخرى، علاوة على الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي لساعات طويلة، وعدم صرف رواتب موظفي الدولة بالمحافظة.
تردٍ مستمر للخدمات، وعجز كبير للسلطات المتعاقبة في حضرموت، أكبر محافظات البلاد، منذُ تحرير مدينة المكلا ومدن الساحل في أبريل العام 2016م من قبضة تنظيم «القاعدة»، في إيجاد حلول جذرية للخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن الحضرمي، برغم الدعم المُعلن للسلطة الموالية للرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، من قبل دول «التحالف العربي» وإيرادات المحافظة التي تحصل عليها.
فجوة بين السلطة والمواطن
وفي هذا السياق، لفت أستاذ التاريخ محمد ناصر جابر، في حديثه لـ«العربي» إلى «غياب كل أنواع السياسات التي من الممكن أن تقدم للمواطن أملاً في تشحيم عجلات الإصلاح الإداري والخدمي، وتليين دورانها»، مشيراً إلى أن «خطاب السلطة للوهلة الأولى بدا تائها يتخبط بحثاً عن الكلمات، وعن الخط التصحيحي المناسب، وانتهى إلى سعال حاد من الوعود والالتزامات المخاتلة، عمّقت بدورها من الفجوة بين السلطة والمواطن، وخسارة الثقة والشفافية، وبات من الواجب استئصال هذه العزلة عملياً أو كبح أسبابها».
عقليات إدارية
بدورها، أرجعت الكاتبة الشابة نوارس علي اليزيدي، عجز سلطة حضرموت عن إيجاد حلول لملف الخدمات، إلى «غياب العقلية الإدارية والاقتصادية القادرة على إدارة الأزمات وبلورتها، وابتكار عدد من الحلول والبدائل لها، في ظل دولة الحرب التي تطبق على المواطن البسيط».
وقالت إنه «لو تم استغلال الإيرادات الصادرة من النفط والضرائب والموارد البحرية وغيرها بصورة صحيحة، لسد الحاجة في توطين البنية التحتية، كاستصلاح الطرق كحد أدنى من الخدمات التي يحتاجها المواطن في مدينته، ناهيك عن الكهرباء وتشغيلها».
وطالبت اليزيدي سلطة حضرموت بـ«الضغط على حكومة الرئيس هادي لرفد البنك المركزي بالسيولة لصرف رواتب المواطنين، كجزاء قانوني وحق واجب بعد عملهم في كافة الدوائر الحكومية».
في حين، قال الروائي الشاب عمار باطويل إن «نقص الخدمات في القرن الواحد والعشرين يدل على أن سلطة حضرموت ناقصة قيم وأخلاق ومسؤولية»، مشيراً إلى أنه «في ظل العصر المتقدم بكل أنواع التكنولوجيا، يستحي الإنسان أن يقول إن مدينتي بلا خدمات، بلا مياه، بلا كهرباء، أو يوجد نقص في الأدوية والعلاج الآدمي».
وعود متكررة
وعن وعود حكومة هادي المتكررة، قال الناشط مهدي العكبري إن «عدم إيفاء حكومة الرئيس هادي بالتزاماتها تجاه سلطة حضرموت، يعد أبرز المعوقات التي تواجه السلطة لإيجاد حلول جذرية لمعظم المشاكل التي تعاني منها المحافظة»، لافتاً إلى أن «السبب الآخر في عجز السلطة هو الفساد الإداري، الذي تعاني منه أجهزة الدولة التي عزمت السلطة على محاربته، ولكن قلة الخبرة الإدارية لم تحقق أي نتيجة تذكر».
مقوّمات دولة
من جانبه، أشار الإعلامي عبدالجبار عوض الجريري، في حديثه لـ«العربي» إلى أن «حضرموت ليست محافظة عادية، بل تمتلك مقومات دولة، ومع ذلك الحالة الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بالبنية التحتية، سيئة للغاية».
وطالب الجريري محافظ حضرموت بـ«تطبيق ما وعد به عند توليه المحافظة، والقيام بواجبه في تحسين البنية التحتية، والقضاء على الفساد الذي ينهك حضرموت منذُ سنوات طويلة، ودعم الصحة والتعليم وتوفير المشتقات النفطية، واستغلال أموال حضرموت في استثمارات داخلية وخارجية لضمان مستقبلها».
وفي هذا الصدد، أكد الجريري، أن «دور المجتمع مهم للغاية في الضغط على صنّاع القرار بحضرموت، من أجل إيجاد حلول حقيقية وجذرية لمشكلة إنقطاع الكهرباء وانعدام المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها»، لكنه أشار إلى وجود «حالة صمت من قبل المجتمع في حضرموت تجاه كل هذه الأزمات، وهو سبب رئيسي في استمرارها».
مشكلة شائكة
الناشط سعيد النهدي، أوضح أن «مشكلة الخدمات في محافظة حضرموت، مشكلة شائكة منذ عقود، وليست وليدة اليوم، وهذا يعود لعدة أسباب أهمها عدم وجود دور للحكومة في هذا الخصوص، فسابقاً لم تفعل شيئاً، بسبب أن هناك من ينظر لحل مشكلة الخدمات في المناطق المحررة بنظرة سياسية بحتة بعيدة عن الواقع، وهو ما سبب حرجاً للحكومة نفسها، أما الآن فحكومة الشرعية أشبه ما تكون في حالة موت سريري».
وعلّق النهدي على «تخاذل التحالف والإمارات، خصوصاً وأنها السلطة الفعلية لساحل حضرموت»، مشيراً إلى أن «المسألة ليست تقديم معونات عينية من السكر والأرز فقط، بل يجب عليها أن تنظر بعين المسؤولية لمشكلة الخدمات، خصوصاً أزمة المشتقات النفطية والانقطاعات المتواصلة للتيار الكهربائي».
وطالب سلطة حضرموت بـ«التحرك العاجل والضغط على حكومة الشرعية لإيجاد حلول للأزمة الراهنة»، محذراً من أن «التقاعس والدخول في نفق مظلم لعدم مراعاة المواطنين وخروجهم للشوارع قد يسقط السلطة».
محطة غازية
من جهته، قال الشخصية الأكاديمية خالد بلخشر، إن «البلد في حالة حرب، ولهذا تقلّصت الإيرادات من المصادر المحلية، وانخفض تعزيز المركز لمكاتب الوزارات»، موضحاً أن «المشتقات لم تعد تورد من قبل الحكومة وإنما عبر التجار، الأمر الذي يجعل إنسيابية وصولها مرتبطة بعامل الربح والخسارة، وخاصة في ظل وجود وسطاء وسماسرة معلنين ومخفيين لهم نسب».
أما الكهرباء فيرى بلخشر أنها «معضلة معتّقة، فالشبكات متهالكة والطاقة التوليدية غير كافية، وديون المحروقات والطاقة المشتراة متراكمة، وقطع الغيار غير متوافرة».
ويؤكد أن «هذه المعضلة لن تحل إلا بمحطة غازية جديدة وشبكات متطورة»، ويعتبر أن «مسألة الاعتماد على المازوت والديزل مكلفة ومنهكة، والطرقات ما زالت منذ العام 2008م في انتظار الصيانة»، لافتاً إلى أن «الترقيع البدائي ليس حلاً، فأغلب الطرقات يحتاج إعادة تأهيل من جديد».
التعليقات