تحت هجير أشعة الشمس ولسعات البرد، تقف مريم عباس (بائعة خبز في العقد الخامس من عمرها) لساعات عديدة وسط سوق الخبز في مدينة صنعاء القديمة، حيث تنتشر هناك مطاعم السلتة الشعبية (الفحسة)، وهي الوجبة الغذائية الشهيرة لطعام الغداء، وما تزال تحتفظ بنكهتها الفريدة، وتحظى بطلب مرتادي السوق المكتظ بالمتسوقين القادمين في العادة من عموم المناطق الريفية في ضواحي صنعاء.
ربما تكون مريم فقدت شيئاً من صحتها، ونظارتها المعهودة قبل نحو 6 سنوات، لكنها بالمقابل، وبحسب روايتها، كسبت «الشيئ الكثير»، فقد جاهدت لتربية وتعليم أولادها، من بعد وفاة عائلهم في حادث مروري قبل 10 سنوات، لقد تجنبّت مريم سؤال الناس حاجتها، وقرّرت الخروج إلى السوق «فضّلت الإعتماد على نفسي وكسب العيش من عرق الجبين بدلاً من دقّ أبواب الآخرين» بحسب تعبيرها.
مقاومة نسوية للحرب والحصار
في مجتمع يتّسم بنظرته شبه القاصرة لعمل المرأة، فإن خروج المرأة لممارسة عملية البيع والشراء في الأسواق ومزاحمة الرجال، ليس بالأمر الهيّن، لكنّها المرأة اليمنية التي تقاوم ظروف الحرب والحصار وتدهور الأوضاع المعيشية، وهي المرأة اليمنية التي فقدت عائلها، إمّا أرملة أو مطلّقة، ووجدت نفسها فجأة مسؤولة عن تربية أطفال وتوفير احتياجاتهم، تقتحم سوق العمل بمشاريع ذاتية وعزيمة فولاذية، مقدّمة نموذجاً لافتاً، لمظاهر وصور صمود وقوّة المرأة اليمنية الفقيرة وكفاحها من أجل العيش بكرامة، في زمن شوهد فيه الرّجال يبيعون أوطانهم في أسواق نخاسة سياسية، ويباركون تدنيس تراب أوطانهم لقوات غازية، واستباحة سماء بلدهم لطائرات أجنبية...!
عزّة نفس وكبرياء
قبل نحو عام ونصف العام، لم تجد لمياء أحمد (35 عاماً)، سبيلاً لمساعدة زوجها في توفير احتياجات أطفالهما، وإيجار منزل متواضع يسكنونه، غير بيع الخبز البلدي في السوق القريب من منزلهم. لقد فقد زوجها دخله الشهري ووظيفته حينما قصف طيران «التحالف» مصنعاً للمشروبات الغازية، كان زوجها يعمل فيه قبل مارس العام 2015، تقول لمياء في حديث إلى «العربي» بعزّة نفس وكبرياء «ليس عيباً أن أبيع الخبز في سوق مزدحم بالرجال، ولكن الأمر المعيب هو التخلي عن زوجي وأطفالي في هذه الظروف». رفضت لمياء عرضاً لأهلها باستضافتها حتى يجد زوجها مصدر دخل آخر، واختارت الكفاح واقتحام سوق بيع الخبز «حتى يفرّجها الله».
وقاية من ذل الحاجة
وعلى مقربة من لمياء، ما تزال أمّ أحمد، تحمل على رأسها إناء بيع الخبز (الملوج البلدي، الشعير، تتراوح أسعارها ما بين 150 إلى 200 ريال لحبة الخبز الواحدة)، مرتدية ستارتها الصّنعانية، تقف بكبرياء وأنفة تحارب شبح الجوع والفاقة، ووقاية أفراد أسرتها (3 أطفال) من ذلّ الإحتياج وسؤال الغير، بعد أن تخلّى زوجها (عائل الأسرة) عن دوره وواجبه تجاه أسرته. تقول أم أحمد، وهي سيّدة مطلّقة «أكسب القليل من بيع الخبز، لكنّ رأسي مرفوع، بتوفير العيش الحلال لي ولأولادي».
عوامل إقتصادية
عبدالقادر محسن الحرازي، مالك مطعم للسّلتة الشعبية في سوق شُميله في صنعاء، يلاحظ في حديث إلى «العربي»، انتشار كثير من الفتيات بائعات الخبز، سواء البلدي أو خبز «الكدم»، خاصّة أمام مطاعم الأكلات الشّعبية في الآونة الأخيرة، معتقداً أنّ تفاقم الأوضاع المعيشية وانقطاع مرتّبات موظفي الدّولة لشهور عديدة، والحروب والحصار المفروض على اليمن منذ مارس العام 2015، هي عوامل إقتصادية تقف وراء تزايد هذه الظاهرة.
أسرار وخصوصيات
يعدّ انتاج وبيع الخبز واحداً من المهن التقليدية التي تعمل المرأة اليمنية فيها، والتي غالباً ما تدفعهنّ ظروف قاسية لفعل ذلك، فكثيراً من الفتيات انقطعن عن التعليم، وأثرن مساعدة أسرهن في بيع الخبز، بعد وفاة أو فقدان عائلهن، أو انقطاع دخل الأسرة الشهري، وإرتفاع أسعار المواد الغذائية (كيس الدقيق وصل نحو 9 آلاف ريال)، وكذا إرتفاع أسعار أسطوانة الغاز المنزلي (4700 ريال)، فاقم من معاناة هذه الشريحة، التي يعدّ الحديث الصحافي عنها نوعاً من المغامرة المحفوفة بالمخاطر، فلكلّ أسرة قصّة، ولكلّ قصّة، سياج منيع مثخن بالخصوصيات، وقصص كفاح طيّ الكتمان!
التعليقات