خسرت المكونات السياسية المحلية التي هللت للعدوان ومنحت تحالف قوى الغزو الأجنبي تأشيرة الدخول إلى اليمن لتمزيق شعبها واحتلال ترابها تحت مسمى (إعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب)، لكن خسارة فصائل الحراك التي تهلل له اليوم، وتعمل بمعيته تحت يافطة (الانتقالي) بوعد استعادة (الدولة الجنوبية)، ستكون أفدح من خسارة (صبيان الشرعية) ومن خيبة رهانهم الوضيع على التحالف!
يفعل تحالف قوى العدوان الأمريكي بالجنوب في الراهن ما عجز عن فعله بمعظم جغرافيا الشمال، فحيث استعصى عليه توسيد هذه الأخيرة لسواطير مشروعه القذر؛ تبدو جغرافيا الجنوب مستلقية بلا ممانعة لشبق سواطيره، أما الضريبة التي سيتعين على الجنوبيين دفعها من دمهم وخبزهم وأمنهم وثرواتهم كنتيجة لهذا الاستلقاء الوادع تحت وعود الاحتلال، فستفوق أضعافاً ضخامة الضريبة التي يدفعها اليمنيون الشرفاء في مواجهة الاحتلال ورفضاً له، مع فارق أنها ستكون بلا جدوى وفي مواجهة بعضهم البعض... الحقيقة أن دواليب هذا الاحتراب العبثي، شرعت في الدوران بصورة تصاعدية منذ الأيام الأولى لوقوع الجنوب في خناق الاحتلال، على أنها ستغدو أكثر ضراوة وأفظع دهساً في قادم الأيام، إذا بقي الجنوبيون غارقين في غيبوبة (استعادة الدولة) بالركون على جنازير الاحتلال، ولم يهبوا من هجعتهم لمقارعته وتحرير التراب الوطني من أشداقه ذات النواجذ المتعددة (سعودية وإماراتية) وسواها من تمظهرات وظيفية إقليمية موصولة بقبضة المدير التنفيذي الأمريكي والبريطاني!
إن هذا لا يعني أن عموم الجنوب غائب عن ضفة الاشتباك الوطني المواجه لتحالف قوى العدوان، فالكثيرون تموضعوا منذ اللحظة الأولى لبدء العدوان في خنادق المواجهة والرفض، ودفعوا ويدفعون أثماناً باهظة على مذبح الوطن وحريته واستقلال ترابه وقراره، غير أن قوى الهيمنة الاستعمارية، لا تزال، الأقدر على جر غالبية أبناء الجنوب خلفها بخطام جزرة (استعادة الدولة)، وتعبئتهم كوقود مجاني في مواجهة أبناء جلدتهم، في مقابل ضعف تأثير الأصوات الحراكية الوطنية على الشارع الجنوبي، وانعدام الوسائط التنظيمية التعبوية القادرة على تحشيد طاقته في معركة الوطن، بوصفها السبيل الوحيد لعبور القضية الجنوبية من بورصة الاتجار إلى فضاء المعالجات العادلة والناجزة.
إن استمرار غياب الحامل الاجتماعي الوطني للقضية الجنوبية في مقابل وفرة المتجرين بها في سوق المشاريع اللاوطنية، هو مناخ مواتٍ تماماً لتشظي النسيج الاجتماعي للجنوب إلى كانتونات مجهرية شتى تحت ذرائع لا حصر لها، وستتناسل القضية التي تبدو واحدة وجامعة ومركزية في الراهن، خلطة من القضايا الانعزالية (ضالعية، يافعية، حضرمية، شبوانية، مهرية...)، ينمحي معها الجنوب كوجود مجتمعي كلياً عوضاً عن وهم التئامه في دولة جنوبية واحدة.
من المؤسف ـ مرةً أخرى ـ الجزم بأن هذا هو ما يحدث اليوم، لا ما سيحدث غداً، وإذا كان الجنوب قد اتسع ليكون حاضنة لـ(عفاش)، فمن السذاجة أن يعتقد المزايدون باسمه أن بوسعهم تطهيره من (الإصلاح)، إذ أن الغضب الإماراتي نظرياً على هذا الأخير، ليس إلا دفعاً متعمداً له لإعادة التموضع بيافطات أخرى جنوبية وجهادية قاعدية، في صلب البنية الاجتماعية للجنوب، بغية تفخيخها وتكريس عوز مكوناتها إلى الاحتماء بكنف الاحتلال على الدوام.
إن كل رصاصة تصوب باسم الجنوب إلى غير جمجمة تحالف الاحتلال، هي رصاصة تقتل الجنوب، مهما بدا الأمر نقيض ذلك، فمناهضة (الإصلاح) باعتباره (عدو الجنوب)، لا يختلف كثيراً عن احتضان (طارق عفاش) باعتباره (حليفاً للجنوب)... إنها مشيئة الاحتلال، لا مشيئة العاملين بمعيته جنوباً وشمالاً.
التعليقات