يقترب أرشيفه الصّحافي من إحتواء مليوني صورة متنوعة، حصيلة نصف قرن ماضية من رحلته الفنيّة الإبداعية الزاخرة، غير أنّ صورة واحدة لا يخفي اعتزازه بها، هي صورة والدته في الحقل، فهي على الرغم من قدمها الزمني، لا تزال محفوظة في قبله أولاً، ثم أرشيفه الذي يعدّ تاريخاً من الحكايات والشواهد على فرادة وطن، وصف تاريخياً باليمن السعيد.
ذاكرة الزمان والمكان
إنّه الفنّان والصحافي اليمني المبدع، عبدالرحمن الغابري، الإنسان والمعلم والصّورة، أبُ التقاط الرّوعة، وكبير أسرة البهاء، وذاكرة الزمان والمكان، هو صورة اليمن الجمعية وعدسة القلب، وآخر ما تبقى من الابداع البصري في هذا الكون، بحسب رأي الصحافي اليمني نبيل الأسيدي.
توثيق دقيق للتّحولات
يمكن تقسيم مخزون المصور الصحافي، والمخرج السينمائي التسجيلي، عبدالرحمن الغابري، إلى قسمين، بوزاتيف ونيقاتيف، ومؤخراً قسم الصور الرقمية، وجميع الأقسام تضم بين جنباتها، الصور الصحافية والسياسية، وترصد بوضوح فعاليات تطوّر المجتمع اليمني وانتكاساته، والتحولات الطارئة سواءً سلباً أو إيجاباً، هذا غير الصور الخاصة بالمواقع الأثرية والمدن القديمة والنقوش الأثرية، والمؤرشفة بشكل دقيق.
أضرار القصف تطال أرشيف الغابري
حينما قصف طيران «التحالف» الذي تقوده السعودية منذ مارس العام 2015، منطقة عطّان غرب صنعاء، طالت أضرار الغارة منزل الغابري ومكتب مؤسسة الهويّة اليمنية، التي يديرها، واختلط أرشيف الصور مع بعضه، اضطر الغابري بعد ذلك، إلى حفظ مخزونه الإبداعي في صناديق خاصه، وإيداعها في أكثر من موقع، تحسباً لأي أعمال عبث أو نهب قد تطال أرشيف الصور، في ظل حالة الكراهية الدائمة للصورة ومحتواها عند التيارات المتطرفة بشقيها السني والشيعي.
بات التّصوير في متناول الجميع، في ظلّ التطور التقني والتكنولوجي، واختلط حابل الصورة بنابلها، وبات من النّادر وسط هذه الفوضى، تسجيل صورة صحفية محايدة، وذات مضمون صحافي حقيقي، ومع ذلك - بحسب الغابري - يبقى المحترف المهني والدّارس «هو ربيب الصورة التي ينال حقّها وشهرتها، سواءً محلياً أو إقليمياً أو دولياً»، ويمنياً وفي ظل الحروب والصراعات، يعتقد الغابري أنّ «هناك قلّة ممن استطاعوا إيصال آثار ومعاناة الحرب بصور صحافية مؤثّرة».
مخاوف سوء الفهم للصورة
يزخر أرشيف الغابري، بالكثير من الصّور القصصية المثيرة، وذات الأبعاد والدّلالات السياسية، غير أنّه يتحاشا نشرها، خشية سوء الفهم لمحتوى الصورة، فالمجتمع ربّما لم يصل بعد إلى مرحلة فهم الصورة الصحافية ولا خلفية ملتقطها، فيما البعض لا يقرأ الصورة بمهنية عالية وتجرد، فالتّسرع والعصبية، وربّما الجهل بأهمّية الصورة، جميعها عوامل تسبّب لملتقطها الكثير من المشاكل «وقد تصل حدّ التّصفية الجسدية، وفي أحسن الأحوال السجن..!»، ولما للعنصر النسائي أو السياسي من حساسية مرتفعة، وتصنيف عرفي قاسي بمفاهيم تقليدية بائسة، ينشر الغابري القليل من الصور الظريفة التي يتضمن محتواها عنصر نسائي أو سياسي...!
إنحدار ثقافي
يفتّش عبدالرحمن الغابري أرشيفه، فتنتابه المهابة والحزن والحيرة، بفعل ما يرى أنّه تدهوراً لحياتنا الثقافية، وانحداراً حياتياً للخلف، معتقداً بشكل قطعي، أنّ روح الفنّان هي من تحافظ على سلامة العقول، والسبب المباشر في سعادة الشعوب وتطور المجتمعات وتنمية الذائقة، واستقرار المجتمع وحمايته من أي نعرات تفككية، طائفية، تمييزية، مناطقية، وفي تعليقه على صورة من أرشيفه، التقطت في العام 1983، للفنانين الراحلين، نجاح أحمد، ومحمد الذماري، يجزم الغابري، أنّ الفنان وحده قلب الوطن ونبضه المبهج، فهو من يحافظ على ههويّة شعبه ويطورها للأفضل، ويربط الناس بالأرض والإنتاج، ويُهيئ الناس للعمل والنجاة من العوز والفاقة، ووحده الفنّان من ينشر السلام والمحبة بين الناس.
70 معرضاً
منذ دشّن الغابري عشقه الأزلي مع عدسته في العام 1968، لا ينسى منذ ذلك الحين، أيّ صورة التقطتها عدسته، حتّى ولو كانت الصورة، غير ذات أهمّية، فبالنسبة للفنّان الغابري، أهمّية الصّورة تأتي من قدمها ومضمونها، ومنذ نصف قرن مضى، ما يزال الغابري (المولود في العام 1956، في منطقة عتمة، محافظة ذمار)، يصوّر ويطبع ويحمّض، متواصلاً مع عشقه، عاكفاً على الاعتناء بهويّة اليمنيين ورعاية تراثهم القديم، بالصّورة والفيلم السينمائي والفيديو، معتمداً على مخزونه الأرشيفي وأعماله الإبداعية، التي تسنّى للجمهور رؤية بعضها في قرابة 70 معرضاً خاصاً، داخل اليمن وخارجه.
التعليقات