قبل اثني عشر عاماً من اليوم، أُعلنت صنعاء عاصمة للثقافة العربية. إرتبط ذلك الإعلان باسم خالد الرويشان، الذي كان، حينها، على رأس وزارة الثقافة اليمنية. في عام 2004، وعلى مدى 360 يوماً، تحوّلت صنعاء إلى متحف مفتوح، ومعرض مستديم، تزاحمت فيه الروائع الثقافية والفنّية المتنوّعة ما بين كتب، وقصائد، ونصوص مسرحية، ولوحات، وأغان، ومقطوعات موسيقية. وشهدت المدينة إقبالاً كبيراً من مختلف المناطق اليمنية، وحتّى من خارج اليمن. اليوم، لم يعد الحال على حاله، إندلعت الحرب واشتدّ الحصار وازدادت المعاناة وانقطع الحراك الثقافي. مثله مثل غيره من المثقّفين اليمنيين، يقف خالد الرويشان على أنقاض يمن مختلف، قارئاً ماضيه، متصفّحاً حاضره، ومستشرفاً مستقبله.
الأديب، والإداري، ووزير الثقافة السابق، خالد الرويشان، يتحدّث، إلى "العربي"، عن رؤيته لتطوّرات الأوضاع في اليمن، ونظرته لمفاوضات الكويت، وأوضاع الحراك الجنوبي، ومسائل سياسية وثقافية أخرى.
مع انطلاق مشاورات الكويت قلت: "صباح الأمل، صباح اليمن، صباح الكويت، صباح الحق والعدل. سنتفاءل... لأنّها الكويت!"، هل لاتزال متفائلًا؟
أوّلاً، أنا متفائل على المستوى البعيد، لكن على المستوى القريب لست متفائلاً. بمعنى أنّ "فزلكات" السياسيّين اليمنيّين الخائبين في الكويت لاتعطي أملاً، لكن على المستوى البعيد، أو حتّى المتوسط، أظنّ أن اليمن ستتعافى من أمراض هؤلاء، وأقصد هنا بالضبط الحوثيين وأشياعهم بالدرجة الاولى، لأنّ السوء –ولابدّ أن نعترف بذلك– درجات.
ما هو تقييمكم لسير مشاورات الكويت حتّى اليوم؟ ومن خلال رؤى الطرفين والأفكار المطروحة على طاولة الحوار، هل من نقاط التقاء بينهم؟ وكيف يمكن صهر نقاط الإختلاف؟
دعني أكن أكثر صراحةً. المسألة هنا مسألة كارثة السلاح، واستخدام هذا السلاح. لم تعد المشكلة في اليمن مشكلة الأفكار والرؤى، فالأفكار، كيفما كانت، أقلّ ضررًا من حمل السّلاح واستخدامه. المشكلة الدائمة هي في السلاح واستخدامه.
للأسف، وصلنا إلى مرحلة من السوء، أن البعض نهب سلاح الدولة، ما يعني أنّ المشكلة لم تعد مشكلة السلاح العادي، الذي عرفناه خلال العقود الماضية بيد بعض الفرقاء كأفراد. ولكن، تورّمت الكارثة، حتّى تمّ نهب سلاح الدولة، وتمّ استخدامه أيضاً ضدّ البلاد وضدّ الشعب.
وهكذا، أنا أظنّ أنّ الحوار في الكويت لن ينجح إذا غرق في التّفاصيل، وترك الأهمّ: تجريم السّلاح واستخدامه ونهبه، هذا أوّلاً.
ثانياً: إستعادة الدولة. هل تعرف أن الكارثة في اليمن أساسها أزمة عدم وجود الدولة، بمعنى أننا لا زلنا في مرحلة تأسيس دولة، كما أن تطوّرنا الحضاري في هذه اللحظة ما يزال عند تأسيس الدولة، التي هي الدائمة والباقية، بينما تتغيّر الأنظمة والحكومات وهي باقية.
دور المثقّف اليمني خلال السنوات الخمس الماضية يكاد يكون غائباً تماماً، رغم أنّها سنوات تثوير وتغيير وربيع عربي بالتعبير المتعارف عليه إعلامياً، فما سرّ هذا الغياب؟
أنا سأقول لك بصراحة. أوّلاً، لا يمكن لأيّ دور للمثقّف أن يبرز أو يظهر تحت ظلال البنادق والمدافع، وتحت نيران الصواريخ... كيف يمكن لصوته أن يُسمع وسط كلّ هذا الجنون؟ ودائماً أنا أُفرّق بين المثقّف والمبدع.
في اليمن عادةً، وكما تأمّلتها، للأسف لايوجد مثقّفون ظاهرون في الصورة كما يجب أصلاً. يوجد مبدعون، وهذا صحيح، وليس كلّ مبدع مثقّف. المثقّف هو الذي يجمع بين الإهتمام بالمسألة العامّة والمعرفة الإنسانية بشكل عام.
سوف نجد هنا أساتذة في الجامعات – مثلاً- لديهم قدر من المعرفة، ولكنّهم في الغالب لا يحملون همّاً عامّاً، هؤلاء لا تنطبق عليهم كلمة مثقّف. وسوف نجد مُبدعين كباراً في الشعر والرسم والأدب والكتابة والغناء والموسيقى، ولكن لا همّ لهم في المسألة العامّة بشكل عام، وبالتّالي لا ينطبق عليهم توصيف كلمة مثقّفين.
إنّ السياسي إذا لم يجمع بين المعرفة والموقف، فلا يمكن أن يحصل على صفة مثقّف. وهذا ما سأخلص إليه، لأقول إن السياسيين اليمنيين المتحاورين في الكويت بشكل عام، هم في غالبيتهم وللأسف مجرّد كائنات سياسية، لا علاقة لها بحلم أو فكر أو ثقافة، ولا علاقة لمعظمهم حتّى بالعصر.
خلافاً لمسئولين يمنيين سابقين، بقي أشهر وزير ثقافة في اليمن، عضو مجلس الشورى، خالد الرويشان، في اليمن، ناقداً بقلمه للسلطات القائمة، في عام من الحروب والحصار. فلم بقيت في اليمن؟ وهل عُرضت عليك مغادرتها؟
لم أفكّر أصلاً في المغادرة، ولن أُفكّر. رغم إشفاقي على هؤلاء الذين غادروا اليمن، فهم في معظمهم غادروا هرباً من الموت، ولا يُلامون أبداً ، ومن المعيب أن يُنظر إليهم بازدراء لمجرّد أنّهم خرجوا من البلد، فهم خرجوا مُرغمين. وأوّلهم رئيس الجمهورية، عبد ربه منصور هادي، الذي ضُرب منزله في صنعاء، وضُرب حتّى في مقر الرئاسة في عدن. والنّكتة والطّريف أنّ البعض يسخر منه لأنّه هرب!
تمّ احتلال منازل البعض، ومصادرة شركاته، وملاحقة أولاده، ثُمّ يستغرب البعض ويسخر من خروجه من البلاد، وهذه غريبة جدّاً، يضربون الناس ويستغربون هروبهم!
وأظنّك ياجميل تعرف معظمهم، هؤلاء وبعضهم من الصحافيين الهاربين، وهم زملاؤك، وربّما أصدقاؤك، وبعضهم من أجمل وأروع ما أنبتت هذه البلاد. أقول ذلك إنصافاً لهم. لقد هربوا من ظلم الحوثيين.
حذّرت مبكراً ممّا أسميتها الدولة الرخوة، فما الذي يمكن أن تصف به دولة اليوم؟
نحن نعيش اليوم الدولة المجنونة، الدولة التي قتلت أحلام اليمنيين، وأحرقت النسيج الإجتماعي. وفي كلّ يوم، ثمّة ضحايا لهذا الجنون ولهذه الحماقة ولهذه المغامرة، وبسببها أصبحت البلاد في هاوية ليس لها قرار.
باعتقادك، ماهو الإطار الدستوري الشرعي الذي يمكن اعتباره سقفاً يجمع كلّ اليمنيين تحته، وتسير عليه البلاد اليوم؟
أوّلاً، لا تنقصنا الدّساتير. أي دستور يستطيع أن يحلّ أيّ إشكال بعينه اليوم. دستور دولة الوحدة، مثلاً، يعني احترام القانون والإنسان وكرامته وحقوقه، يعني الوحدة والمؤسّسات. وهكذا، فإن ما نحتاجه هو العودة إلى القانون فحسب، والإنصياع للقانون.
السياسيّون اليمنيّون المتحاورون، كي يجعلوا لجنونهم شرعية، قاموا بإلغاء الدستور وجمّدوه. هل تعرف يا جميل أنّنا في ريفنا العظيم- وأنت من أبناء هذا الرّيف- عندما يختلف اثنان، أوتختلف قريتان، يتمّ التحكيم لطرف ثالث تحكيماً مطلقاً، ويتمّ الحكم بالحقّ والعدل والإلزام، لكن ما يحدث في عالم الدولة والفرقاء السياسيين المتحاورين حاليّاً هو بعيد عن هذا التّراث العظيم، الذي أشاد به القرآن الكريم في قصّة بلقيس، في قوله تعالى على لسان الملكة بلقيس: "ماكنت قاطعةً أمراً حتى تشهدون".
تخيّل ما فعله الحوثيون وأشياعهم، بعيداً عن هذا الرّيف العظيم وحكمته وتراثه، وبعيداً عن القانون ودساتيره، وبعيداً عن الشريعة وقدسيّتها، وبعيداً عن قداسة الدّم اليمني أوّلاً، والإنساني بشكلٍ عام. فمابالك بدم أخيك المُراق على أصابعك وزندك، وتدَعي أنك جزء من هذا البلد؟
راهنت قبل أيام على أن الرئيس هادي سيزور الأردن، خلال 24 ساعة، لمنع إهانة اليمنيين هناك. وقد مضت أيّام ولم يفعل هادي ذلك؟
أوّلاً، عندما أخاطب هادي يعتب عليّ كثيرون، لأنّهم لا يرون فائدة في أيّة مناشدة. لكن، بالنّسبة لي، لا خيار آخر. التمسّك بهادي حاليّاً ليس حباً في سواد عينيه – وهي ليست سوداء على كلّ حال- ولكنّه حبّاً في اليمن ووحدته وشعبه. من يمكن أن أُخاطب غيره؟
هل أُخاطب الحوثيين مثلاً لحلّ مشكلة المسافرين اليمنيين في عمّان؟ هل أخاطب الحوثيين ولا أحد يعرفهم أو يعترف بهم في العالم؟ هل أُخاطب رئيساً سابقاً لا يعترف به أحد الآن؟ هل أخاطب جيبوتي – مثلاً- لتحلّ المشكلة؟!
لا خيار آخر إلاّ أن أخاطب هذا الرجل، وبقوّة وبعتب وبغضب، كما يحدث في كلّ مرة. لا خيار آخر.
ومادمت سألت، فقد حدث، إثر ذلك المنشور أن تغيّرت المعاملة في مطار عمّان، وقد أخبرني بذلك طيّار يمني، اتّصل بي من عمّان، وقال لي إن الأردنيين حسّنوا معاملتهم للمسافرين اليمنيين هناك.
أحداث عدن الأخيرة... كيف قرأ السياسي والمسؤول الحكومي السابق خالد الرويشان التطوّرات في عدن، وما سمّيت "إجراءات تعسّفية" بحق مواطنين من محافظات شمالية؟
ما حدث ويحدث في عدن من مهازل ضدّ الشّماليين... للأسف، إن الحراكيين المجانين في عدن هم الصورة الأخرى للحوثيين وأفعالهم في اليمن بشكل عام. هل ننسى أن الحوثيين وأشياعهم أحرقوا عدن ذات يومٍ قريب؟ وأنّ ما يحدث في عدن اليوم ربّما كان من أسبابه أفعال الحوثيين وأشياعهم أيضاً.
وللأسف، لا يوجد أيّ شعور بالمسؤولية لدى السياسيّين اليمنيّين تجاه أيّ تصرّف. مزّقوا هذا البلد وخنقوه وقتلوه ويقتلونه كل يوم، ولكنّه يأبى الموت. وهذا شعب عظيم. لو أن جماعة سياسية في أيّ مكان في العالم، فعلت بالنسيج الإجتماعي مافعله الحوثيون في عدن، وما فعله الحراكيّون وما يفعلونه اليوم في عدن، لاحترق النسيج الإجتماعي المقدّس، ولرأيت مذابح أهلية في حرب لا تبقي ولا تذر. ولكنّه هذا الشّعب الحضاري المتماس ، الذي لم ينكسر متنهُ القوي. لم تحدث ردّة فعل على هذا الجنون في عدن، في أيّ مكان في اليمن. ولعمري، إن هذا هو شعبنا العظيم الذي لا نعرفه، ولا نقدّره حقّ قدره.
التعليقات