عادت أزمة الانقطاعات في قطاع الكهرباء لتتصدر واجهة المشهد من جديد في محافظة حضرموت، شرقي جنوب اليمن، بعد أن استقر بها الحال مطلع العام الحالي، فقد أصبح المواطن الحضرمي مع بداية دخول فصل الصيف من كل عام ميلادي على موعد مع أزمة الكهرباء المتكررة التي لم تستطع أي من الحكومات المتعاقبة في اليمن، إيجاد حل لها وإنهاء معاناة المواطنين المستمرة لسنوات عجاف.
أزمة الانقطاعات في التيار الكهربائي بلغت ذروتها، حيث وصل معدل الانقطاع إلى أكثر من خمس مرات يومياً، وفي كل مرة تستمر قرابة الساعتين، ما أصاب المواطن الحضرمي، ومالكي الحرف والأعمال التجارية، التي تتطلب كهرباء، الأسى والسخط من سياسة التطفيش والعقاب الجماعي التي تنتهجها بعض الجهات المسؤولة في حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي المنفية، والسلطة المحلية في المحافظة.
الظلام الدامس الذي تعيشه مدن ساحل حضرموت وأريافها ليلاً، حول البيوت والشوارع إلى مقابر موحشة، فانقطاع الكهرباء أصبح الأصل، ووجودها هو الاستثناء، حيث تتوقف الحياة في مختلف المجالات لساعات طويلة، في المحال التجارية والورش والمصانع ومحطات الوقود.
خسائر بملايين الريالات، يتكبدها التجار ومالكي المشاريع الصغيرة في حضرموت، بضائع ومواد غذائية فسدت في ثلاجات التبريد، وأجهزة كهربائية وإلكترونية تلفت في المنازل والمحال التجارية، أثر الانقطاعات المتواصلة للتيار الكهربائي، وتبقى حكومة «الشرعية» المقيمة في المنفى عاجزة عن القيام بواجباتها، إذ باتت تكتفي بالوعود والتصريحات في وسائل الإعلام ولا تبالي بمعاناة شعبها، والسلطة المحلية في حضرموت في سبات عميق، وكأن الأمر لا يعنيها شيئاً!
ويعاني سكان محافظة حضرموت بجانب أزمة الانقطاعات للتيار الكهربائي من نقص في السيولة النقدية، وارتفاع في سعر صرف الدولار أمام الريال اليمني، وازدحام المواطنين أمام المصارف التجارية وتأخر صرف مرتبات موظفي الدولة، إضافة إلى الأرتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية في ظل غياب الجهات الرقابية للجهات المعنية.
تعطيل الأعمال
وقال الناشط صالح علي، إنّ تزايد ساعات انقطاع التيار الكهربائي أثّر بشكل كبير على الأعمال التجارية والحركة في مدينة المكلا عاصمة المحافظة، حيث أصيب المواطنون بالتعب والإعياء بسبب الانقطاعات لساعات طويلة، مضيفاً «صار كل أمل المواطن أن يجد شربة مياه باردة في النهار، أو مصدراً للكهرباء لشحن جواله أو حاسوبه المحمول لعله أن يقضي جزءاً بسيطاً من عمله».
وأوضح صالح، أن الوضع المزري الذي تشهده محافظة حضرموت، أثار سخطاً شعبياً كبيراً، وأدّى إلى حملات قام بها ناشطون على مواقع التواصل الإجتماعي للضغط على الجهات المسؤولة للتعجيل في توفير التيار الكهرباء لحضرموت، التي تعدّ أكثر المحافظات على مستوى البلاد تصديراً للنفط، وإن لم تتوفّر فيها مصفاة أو محطة كهربائية تليق بحجمها وثقلها الجغرافي والإقتصادي.
وأضاف محمود باهبري، أحد الشباب الحضرمي: «استأجرت محلاًّ صغيراً في مدينة المكلا وجلبت مكينة دوارة لتصنيع الخبز وتعمل بالكهرباء حتى يعمل الجزء الدوار منها، وأكسب منه أنا وأسرتي بدلاً من الإنضمام لطابور العاطلين في حضرموت، وبسبب انقطاع الكهرباء المتكرر أتلفت مني كميات كبيرة من العجين إضافة إلى عدم العمل وكسب الأموال التي تجعلني أدفع إيجار المكان، ومع انقطاع الكهرباء أتفاجأ بارتفاع جنوني في فاتورة الكهرباء».
وأعتبر الكاتب السياسي هاني مسهور، في تغريدة على حائط «تويتر»، أن «ما يجري من انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في مناطق ساحل حضرموت، لا يمكن السكوت عليه»، مطالباً قيادة «التحالف العربي الذي تقوده السعودية بالضغط على الحكومة الشرعية المقيمة في الرياض من أجل الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه حضرموت».
معاناة المرضى
انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، هو أحد المشكلات الرئيسية التي تواجهها المستشفيات في محافظة حضرموت. ما يعيشه المرضى داخل أقسام الكلى في المستشفى، يتجرع مرارته كل مريض يرقد داخل الأقسام الأخرى، فأصوات صفير الأجهزة الطبية داخل العناية المكثفة في المجمع الطبي، لم تعد السمة الحاضرة داخل هذا القسم، حيث تتوقف هذه الأجهزة عن العمل بشكل فجائي نتيجة انقطاع الكهرباء، ونقص الوقود داخل المولدات الكهربائية، ما يدفع الأطباء إلى استخدام الأجهزة اليدوية، كجهاز التنفس.
وبالانتقال إلى قسم حضّانات الأطفال، تبدو صورة المعاناة أكثر وضوحاً، فهم ينقلون إلى هذا القسم لعل هذه الأجهزة الطبية تنقذ حياتهم وتدخل الفرحة إلى قلوب آبائهم وأمهاتهم. وتخشى كل العائلات التي يرقد أطفالها داخل الحضانات، من استمرار أزمة الكهرباء والوقود، الأمر الذي يعرض فلذات أكبادهم للخطر وفقدانهم الحياة.
بناء محطات إنتاجية
تمثلت مشكلة الطاقة الكهربائية، بحسب الورقة التي أصدرتها مبادرة بدائل، في الإنتاج على مستوى توقف بناء المحطات الإنتاجية الجديدة، حيث كانت آخر محطة إنتاجية تم بناؤها في العام 2006 في عهد النظام السابق (باستثناء المحطة الغازية التابعة لبترومسيلة المنشئة حديثاً)، كما يمثل الإعتماد على المصادر التقليدية في توليد الكهرباء، إحدى أبرز الإشكاليات الإنتاجية، إذ ضاعت على المحافظة فرص بديلة متعددة في مجال الطاقة النظيفة، سواءً في مجال الطاقة الشمسية أو المائية، خصوصاً مع توفر مناخ حار ومشمس أغلب أيام السنة، وكذلك توفر مصادر مائية وطبيعية كان يمكن استغلالها في توليد طاقة نظيفة.
وعلى مستوى إشكالية التوزيع للطاقة الكهربائية، اعتبرت الورقة، أن مشكلة الفاقد والربط العشوائي أبرز التحديات، حيث مثلت الطاقة المهدرة عشوائياً بالربط العشوائي، ما يقارب من 50% من الطاقة الإنتاجية، ما يشكل عبئاً على قطاع الكهرباء.
وحددت الورقة، مسارين مستقبليين لقطاع الكهرباء، مسار استثماري وآخر تشغيلي، حيث يتجلى المسار الاستثماري في ضرورة المشاركة بين القطاع العام والخاص، في بناء محطات إنتاجية بمصادر طاقة ذات كفاءة اقتصادية وإجتماعية وبيئية، وعلى المستوى التشغيلي أوصت الورقة بضرورة رفع مستوى الكفاءة التشغيلية المتدنية لقطاع الكهرباء، والحزم مع مشكلة الربط العشوائي وإشكالية التأخر في السداد لرسوم الخدمة الكهربائية، بالإضافة إلى توصيات تشغيلية وفنية أخرى هادفة إلى رفع مستوى الكفاءة التشغيلية لقطاع الكهرباء في حضرموت.
التعليقات