قيل وكُتب الكثير عن القمة العربية الـ29 منذ انعقادها الأسبوع الماضي في المملكة العربية السعودية. مع ذلك، سأدلي بدلوي بحثاً عن سمكة في البئر، فكرة وسط الكم الهائل من الإحباط الذي تحقننا به مؤتمرات القمة العربية. ذلك أن هذه القمم بطبيعتها ملهمة، وطالما شكلت مادة ثرية للشعراء والكتاب والإعلاميين، ومؤخراً خبراء الملفات الساخنة والشائكة.
لكن الثابت فيها، هو أنه لا يوجد جيل من الشعوب العربية، منذ الستينات إلى الآن، لم تحقنه هذه القمم بجرعة إحباط ولامبالاة إزاء كل القضايا التي تلوكها الكلمات المصابة بالتسوس في البيانات الختامية. تلك اللغة ذات التعبيرات المتماهية مع حالة العجز المتكدس في الموقف الرسمي العربي إزاء القضايا المصيرية للشعوب المتحدث باسمها. ما الجديد إذاً في القمة الـ29؟
رفض القادة العرب قرار الولايات المتحدة الأمريكية الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وشددوا على «المبادرة العربية»، وتمنوا أن تبدأ مفاوضات عاجلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين «وفق جدول زمني محدد». هذا ليس بالجديد تماماً؛ فمن ناحية، سبق أن اتخذت معظم دول العالم في الأمم المتحدة هذا الموقف حين رفضت التصويت على القرار الأمريكي، ومن ناحية أخرى، هذا ما قاله نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، لأبي مازن عشية انعقاد القمة.
في الشأن اليمني وفي الشأن السوري وفي الشأن العراقي والليبي، تم إدراج تصريحات عادل الجبير، وأطراف النزاع المدعومة سعودياً، في البيان الختامي، وتم التوقيع عليها من قبل رؤساء وممثلي الدول العربية. لا جديد إذاً في هذه القمة في ما يتعلق بقضايا الشعوب العربية، سيّما إذا ما ألقينا نظرة على البيان الختامي للقمة التي سبقتها، المنعقدة في الأردن العام الماضي، بعض العبارات تتكرر حرفياً.
لعل الجديد تمثل في الرسالة التي أرادت المملكة إيصالها من خلال المكان، وفي ذلك الخبر الذي نقله صحفي سعودي كتعبير نابه وطافح بالسأم من إحباطات القمم العربية وتكراراتها. نعم، خبر قائمة الأطعمة في قمة ظهران الجنوب.
هذا النوع من التغطية الصحافية لمؤتمر قمة برع فيه غابرييل غارسيا ماركيز، عندما أوفدته صحيفة «الاسبكتادور» إلى جنيف لتغطية قمة رباعية بين زعماء الدول الكبرى منتصف الخمسينات (أمريكا، بريطانيا، فرنسا والاتحاد السوفيتي). تلك التقارير التي تناول فيها كل ما هو هامشي في القمة من وجهة نظر الصحافة السياسية، من العادات الشخصية للزعماء إلى وصف البرنامج اليومي لزوجاتهم خلال فترة القمة.
جيرالد مارتن، كاتب سيرة ماركيز، وصف مقالاته عن تلك القمة بالمخيبة لآمال رؤسائه في الصحيفة ومربكة لقرائها. فعناوين من قبيل «الأصدقاء الأربعة السعيدون»، و«زبوني اللطيف آيزنهاور» و«ممثلو الدول الأربع الكبرى بالألوان الزاهية الخلابة»، هي بلا شك تعبير عن حالة سأم طافحة من تكرار مهازل التاريخ. وكم كنت أتمنى أن أقرأ تفاصيل أكثر عن تشكيلات «المطبخ السعودي»، خاصة في مدينة ظهران الجنوب. لكن الكاتب اكتفى بتسميتها هكذا «تشكيلة مختارة من المطبخ السعودي». وفي المقابل، حظيت الأطباق الأجنبية بذكرها بالاسم؛ كـ«الكافيار وسوتيه بوك تشوي وصلصة الموريل والترافيل ومخللات شميجي بالفطر وسمك القد الأسود وجراد البحر ألاسكا...»، مع أنه يوجد جراد البحر المصري بجودة عالية. كان هناك أيضاً أطعمة أخرى تشترك فيها معظم مطابخ شعوب العالم، كلحم العجل والدجاج والمقبلات على اختلاف أنواعها تبعاً لخصوصية كل ثقافة. بالمناسبة، كثير من هذه الأطباق المقدمة على مائدة زعماء القمة العربية الـ29 غنية بالدهون والكوليسترول والسكر. وإذا ما استحضرنا الحكمة المدرسية التي كنا نتلقنها كل عام «العقل السليم في الجسم السليم»، سيكون على الزعماء العرب إعادة النظر في نظامهم الغذائي قبل قراءة كتاب «نقد العقل العربي». ثم سيتوجب عليهم إعادة الاعتبار للمطبخ العربي بما يحفظ تنوعه المبني على التماثل والتباين في ثقافات شعوب المنطقة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف سيتمكنون من ضبط نظامهم الغذائي وإعادة الاعتبار للمطبخ العربي، بينما هم عاجزون عن حل أسوأ أزمة غذاء في العالم على بعد عشرات الكيلومترات من مكان اجتماعهم؟
يقودنا الحديث عن المكان إلى دلالة اختياره لعقد القمة الـ29. في هذا السياق، سيكون الإصرار على تسميتها مجازاً بقمة القدس، ضرباً من الفجاجة والعبث. إذ لو كانت قمة القدس فعلاً، لكان مكان انعقادها انزاح باتجاه فلسطين وإسرائيل، حتى لو تم عقدها تدشيناً للسيادة المنتقلة عسفاً للسعودية على تيران وصنافير. لكنها انزاحت لتأكيد سيادتها على «المخلاف السليماني»، حيث الإقليم المتنازع عليه تاريخياً بينها وبين اليمن. هل قلنا اليمن؟ نعم. لكن وقع مأساتها مهما حضرت في المحافل الدولية، صار خفيفاً على ضمائر العرب والمسلمين والغرب والشرق. كل الجهات مقفلة على شعب تقتله آلة الحرب بملحقاتها الكارثية، جوع، أوبئة وشتات. شعب يموت كسمكة في بئر، بئر العرب التي يصرّون على تحويلها إلى مكب نفايات شديدة السمّية.
التعليقات