السمسمية، تلك الآلة الوترية التي تميزت بها مدن الساحل، وتعتبر من أقدم الآلات الموسيقية التي عرفها الإنسان، والتي اكتُشفت أقدمها في العراق، ضمن حفريات مدينة «أور السومرية»، التي يرجع تاريخها إلى العام 2700 قبل الميلاد، منحوتة على شكل ثور، ولها أحد عشر وتراً، وتذكر مصادر تاريخية أن هذه الآلة، التي كان يطلق عليها «قيثارة السومري»، وفي الحقبة السومرية «الكنرة»، هي آلة وترية تنقر بواسطة مضراب لاستصدار الصوت، ويتباين عدد أوتار السمسمية وشكل صحنها، بين مدينة وأخرى من مدن حوضي البحرين المتوسط والأحمر، وليس لهذه الآلة سلم مكتوب أو مقام منظوم، لتشابه أوتارها في الطول والسمك، يعتمد صوت ونغم الوتر على شدته أو رخاوته، كما يعتمد الإيقاع واللحن على براعة العازف وخبرته، التي تعد العنصر الحاسم في العزف على السمسمية.
«أصغر عازف حضرمي»
الشاب عمر أمين عوض سالم حمده، الملقب «عمارو»، أصغر عازف لآله السمسمية في حضرموت، ولد في العام 1999، في مديرية الشحر، بدأ مشواره الفني على عزف آله السمسمية منذُ طفولته، وهو في الصف الرابع ابتدائي سنة 2010، حيث لاقى تحفيزاً وتشجيعاً منذُ بداية مسيرته من قبل الأقارب والأصدقاء، الذين استمروا في مساندته حتى وصل إلى مستوى واسع من الشعبية في حضرموت.
«عمارو» عاشقاً ومحباً لآله السمسمية من بداية نشأته، يعتبر السمسمية من أهم هواياته التي يمارسها في أغلب أوقات فراغه، بشغف متناغم مع ألحانها، وكأنه يسرد قصة سيكون بطلها ذات يوم...!
«الإنطلاقة»
بدأت قصة الإنطلاقة مع معشوقته «السمسمية»، في أول مشاركة له خلال أحدى السهرات الغنائية في مسقط رأسه ومدينته سعاد «الشحر»، الذي اعتبرها أول انجاز لحلم مشرق ينتظره برفقة السمسمية، ووصف العازف «عمارو» لـ«العربي» فرحته الأولى ومشاركته في السهرة الغنائية لأول مرة، قائلاً: «شعور لا يوصف حينما يبدأ أي شخص يحقق خطوات من أحلام نسجها على أرض الواقع مصحوبة بالثقة في الذات والنفس، لتعدي العراقيل، وتتجاوز الصعوبات، وإذ لا بد من عنصر التحفيز والتشجيع والمتابعة من قبل أشخاص في نفس حلمك وهدفك، يعرفون مخابئ الطريق التي ستمضيها منذُ الإنطلاقة». وقد أكتسحت أنغام «عمارو» ومعزوفاته الموسيقية الأشجان من الساحل الحضرمي وحتى الوادي والصحراء.
«إتقان الإيقاع»
يبرز الشاب «عمارو» في الساحة الفنية الحضرمية بإتقانه للإيقاع، والتناغم المتناسق مع الأغنية والموال، وبنى لنفسه قاعدة شعبية، وشق طريقه كعازف متميز، أصغر عازف سمسمية في الأفراح والمناسبات. عرفته سعاد الزبينة «الشحر»، وغيرها من مديريات محافظة حضرموت، وقد تعدى «عمارو» مرحلة الإنتاج الصوتي والتسجيل، حيث برز في أداء الأغنية المشهورة من التراث واللون الحضرمي بعنوان «يا رب سهل لنا المطالب».
«العشق الشبابي للسمسمية»
وتحدث العازف الشاب «عمارو» إلى «العربي»، عن العشق الشبابي لذلك اللون الغنائي قائلاً: «أصبح معظم الشباب الحضرمي يعشقون ويعيشون هذا الفن البحري، بشكل كبير عن الألوان الغنائية الأخرى المعروف شعبياً بالدربوكة، لأنه يوجد اختلاف مزمن ما بين الجيل السابق وجيل الحالي، وتأتي عملية الاهتمام لهذا النوع والفن، لتطور الدربوكة من ناحية الآلة، ومن ناحية الإيقاع، حيث يعتبر في وقتنا الحالي بــ«المروس»، فكل شيء تطور»، موضحاً أن «آله السمسمية أصبحت تجيد معظم المقامات الغنائية، وبكونها تميزت بأكثر من 20 وتراً، ولهذا التقدم والتطور عشقوها وأحبوها الشباب بألوانها المتنوعة».
وأوضح أن «الشباب الحضرمي بمختلف هواياتهم الفنية والطربية، ومجيدي الرقص الشعبي بمختلف ألوانه وإيقاعاته، شكلوا فرقاً فنية راقصة وطربية، كلها تصب في الإبداع الفني الشبابي، والذي بفعل محبيه، أصبح جزءاً لا يتجزأ من الفن الحضرمي».
«إنشاء فرقة طربية»
وأسس العازف عمر حمدة، أحد الفرق الفنية المهتمة بالطرب البحري، مع إيجاد أعضائها بغالبية الألوان الفنية الحضرمية، في أواخر العام 2014، أغلبهم من أصدقائه الذي يتمتعون بهوايات فنية، منهم الإيقاعي والعازف، ومنهم من يجيد الغناء ويمتلك صوتاً جذاباً يجيد التحكم بطبقات الصوت، وسميت الفرقة بـ«عشاق الطرب البحري»، وأصبحت الفرقة تقيم الأفراح وتشارك في المناسبات.
«انتشار الفرق الشعبية»
وتنتشر الفرق الشعبية في محافظة حضرموت، بشكل كبير، والتي تحمل قرين إسمها فرق «الرقص الشعبي»، حيث يقوم بها في السهرات عدة أشخاص يقومون بممارسة الرقص الشعبي على أصوات الغناء وإيقاع الآلات الموسيقية، وتشتهر الرقصة برقصة الدربوكة، ويتم أداء رقصتها من قبل مجموعة أشخاص يطربون الحاضرين خلال السهرات بمختلف أنواع الغناء، وتمتلك كل فرقة شعبيتها وحضورها الجماهيري بحسب أدائها الخاص.
كيف جاءت إلى حضرموت؟
عمل البحارة الحضارم قديماً، على نقل السمسمية إلى المناطق الساحلية، حيث اختلفت الروايات. وبحسب المؤرخين في دخولها إلى حضرموت، بعد أن اتفق على دخولها إلى الفن الحضرمي عبر البحار، وأخذت مراحل التطور وفق الأغنية الحضرمية ومقاماتها. ويقول بعض المطلعين لـ«العربي»، بحسب ما دونه بعض الكتّاب، أن السمسمية دخلت حضرموت في القرن الثالث الهجري قبل آلة القنبوس، وقد جلبها البحارة الحضارم أصحاب السفن من مدينة ينبع، شمال الحجاز.
وبحسب الروايات المختلفة، فإن البحارة وجدوا في السمسمية متنفساً في الغناء والرقص والمتعة، ونقلوها وألبسوها الحلة الحضرمية، فأصبحت حضرمية الأداء، ومنقولة المنشأ، واستوطنت وأصبحت جزءاً من التراث الحضرمي، ولها خصوصيتها مثل رقصة العدة التي نقلها الحضارم من الهند، وتبدأ رقصة الدربوكة بضربات الإيقاع والتصفيق والرقص، ويتبع ذلك الدخول في الإيقاع، الذي يبدأ بالمدخل الذي يتبعه غناء مفرد، ثم الخروج مع التصفيق، وغالباً ما يكون الغناء موال، إيقاع الرقصة يكون 2/4، وعند السرعة يصل إلى رنبة أو شحري 4/4.
«أشهر العازفين»
وكان من أبرز العازفين في تاريخ حضرموت على آله السمسمية سابقاً، العازف سعيد سالم باحداد، وسالم فرج عبد النصير، وسعيد سالم السليمي، ومبروك رمضان، وهو في الأصل من مواطني ينبع، الذين نزحوا مع أصحاب السفن إلى شرق ساحل حضرموت، وتطورت آله السمسمية ذات الأصول الهندية والإفريقية تدريجياً، لتواكب الأغنية الحضرمية، فعزفها أبناء الشحر كغيرهم، وظهرت أسماء لامعة في العزف على آله السمسمية، التي ترافق إيقاعات السمر والطرب، وبالذات التي أعتادها الشباب، كمتنفس غنائي لهم.
التعليقات