أيام قليلة تفصلنا عن شهر رمضان المبارك، الذي يتقرب فيه العبد إلى خالقه بالصيام والقيام. وكبقية لمحافظات اليمنية، ستستقبل محافظة حضرموت، شرقي جنوب اليمن، هذا العام، الشهر الكريم، بالبؤس والأسى والأحزان العميقة، وفقدان بريقه بخلاف الأعوام الماضية، جراء الحرب التي أرست رحاها في البلاد، داخلة منتصف العام الرابع من القتال، بين حركة «أنصار الله» من جهة، وقوات حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، والفصائل الأخرى المدعومة من قوات «التحالف» الذي تقوده السعودية، من جهة أخرى. صراعٌ، أدى إلى إنهيار العملة اليمنية مقابل الدولار، وتوقف مرتبات موظفي الدولة لأشهر كاملة، وانقطاع مستمرة للتيار الكهربائي في مختلف المحافظات، وتعطل الأعمال التجارية الكبيرة، وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والإستهلاكية والمشتقات النفطية... عوامل أثقلت كاهل المواطن في محافظة حضرموت، ذو الدخل المحدود.
تشير الأرقام في محافظة حضرموت، إلى أن أسعار المواد الغذائية والإستهلاكية التي يستخدمها المواطن بشكل أساسي للعيش، ارتفعت أضعافاً مضاعفة، بسبب الحرب، حيث بلغ سعر كيس الأرز ما يقارب الـ 25 ألف ريال يمني في الأسواق التجارية، والأصناف الأخرى من المستهلكات لم تسلم من الزيادة في الأسعار، فرواتب موظفي الدولة الضئيلة، التي يستلمها الموظف بعد عدة أشهر، أصبحت لا تغطي الحاجيات الأساسية، ولا تلبي متطلبات الأسر.
ويشهد الإقتصاد، حالة من التذبذب غير المستقر، وبات يتراجع بمؤشرات كبيرة وخطيرة خلال الفترة الأخيرة، كما تراجع الريال اليمني أمام الدولار الأمريكي في السوق المصرفية، وهو أحد أسباب إرتفاع الأسعار في محافظة حضرموت بشكل عشوائي، في ظل غياب الرقابة الحكومية.
ويشكوا مرتادو الأسواق التجارية في محافظة حضرموت، من إرتفاع الأسعار، متهمين التجار بالجشع وإستغلال موسم شهر رمضان، إدراكاً منهم بأن تلك السلع تمثل مستلزمات رمضانية لا يمكن الاستغناء عنها، وأن ارتفع سعرها، إضافة إلى غياب الرقابة من قبل الجهات المختصة على التجار، أدى إلى العبث بالأسعار.
الاكتفاء بالسلع الأساسية
وقال سالم فرج، وهو رجل متقاعد في الستينيات من العمر، يسكن في مديرية غيل باوزير، في حضرموت، إن «إرتفاع الأسعار في المواد الغذائية والإستهلاكية، أدى إلى عزوف كثير من الناس عن شراء الكثير من الأساسيات للمنزل، التي اعتادوا على شرائها في رمضان من كل عام، والاكتفاء بالضروريات»، متسائلاً «ماذا نفعل؟ العين بصيرة واليد قصيرة!».
وتعلق وفاء صالح، ربة منزل، «فوجئت بإرتفاع أسعار السلع الغذائية لهذا الحد، ولذا قررت في رمضان الإقلال من شراء السلع غير الضرورية، والاكتفاء بشراء السلع الأساسية وفقاً للاحتياجات الضرورية». وعبرت وفاء بحزن شديد جراء الأوضاع المأساوية التي تشهدها البلاد قائلة، إن «العائلات المتعددة الأفراد ليس في مقدورها شراء هذه المواد الأساسية». وتسائلت «اللي عنده أولاد كثير يعمل أيش... ويأكلهم من فين والأسعار نار؟». المواطن علي محمد، قال إن «الأسعار طالت الجميع في حضرموت، وبات الجميع ينتظر المحال الكبيرة التي تعلن عن عروض تجارية مخفضة على السلع، لكي نستطيع أن نتعايش مع قدوم الشهر الكريم»، لافتاً إلى أنه «من الصعب المقاطعة للسلع في شهر رمضان، ونحن منذُ الصغر متعودون على شراء المأكولات المتنوعة». وأوضح علي قائلاً: «صحيح هذا العام اقتصدنا على قدنا، لكن ما نستطيع نحرم عيالنا من الأكل، شهر رمضان مرة واحدة، والواحد بيكون صايم، وهو شهر ويعدي بسلام، أيش نفعل!».
جشع التجار
وانتقد توفيق صالح، الأستاذ في الإقتصاد، «مسلسل إرتفاع الأسعار في المواد الغذائية والإستهلاكية، الذي يتكرر في شهر رمضان من كل عام، ويثقل كاهل الأسر محدودة الدخل». وأضاف أن «قانون تحرير الأسعار والمنافسة، لا يعطي الحق للتجار والوسطاء في محافظة حضرموت، لاستغلال الفرص من أجل تحقيق هوامش ربح فاحشة، على حساب المواطن، وفي هذا الإطار، يمكن القول إن السلطات المختصة وأجهزة المراقبة التابعة للدولة، تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية في ما يتعلق باختلالات التي يعرفها تموين الأسواق بالمواد والمنتجات الغذائية، وما ينتج عن ذلك من زيادات غير طبيعية في الأسعار».
من جهتها، أكدت عبير يونس، وهي ربة منزل، تسكن في مدينة المكلا، أن «شهر رمضان الفضيل يجتمع فيه الجميع على طاولة واحدة لتناول طعام الإفطار، ويتطلب كميات أكبر من المواد الغذائية، وتكثر فيه الحلويات وما شابه لتعويض السكريات التي فقدها الجسم أثناء فترة الصيام، خاصة أن شهر رمضان يتزامن مع فصل الصيف، الذي ترتفع فيه درجة الحرارة، وتكمن المشكلة في إرتفاع الأسعار التي لا تقدر عليها الأسر البسيطة، خاصة في الشهر الكريم بسبب جشع التجار، ويجب أن تكون هناك رقابة مشددة من قبل المختصين بشكل عام لمراقبة الأسعار».
وعلق المواطن فارس صالح، «ارتفعت الأسعار في حضرموت بصورة كبيرة، ولا رقابة عليها، والتجار يستغلون الطلب المتزايد على المواد الغذائية قبيل الشهر الفضيل، ويرفعون الأسعار مثلما يشاؤون».
أما سالم محمد، وهو مدرس، شكا من «التجار الذين يرفعون الأسعار بلا رحمة ولا شفقة لحال المواطن، ويحاولون بذلك إفساد الفرحة بقدوم الشهر الكريم»، وأضاف أن «الأسعار ترتفع ورواتبنا على حالها، لقد أجبرت أن أتدين لأواجه مصاريف هذا الشهر الفضيل». وتساءل «لا أعلم ماذا سأفعل عند اقتراب العيد ولدي ستة أطفال؟».
وأوضحت وردة محمد إن «شهر رمضان الكريم فقد بريقه، وأصبح فرصة للربح والجشع بالنسبة لتجار السوق، الذين لا يعبأون بالفقراء»، معتبرة أن «كلفة المعيشة باتت تفت في عضدهم وبالكاد يستطيعون توفير لقمة العيش».
دائرة الحيرة!
ومع إرتفاع الأسعار في محافظة حضرموت قبيل شهر رمضان الفضيل وتوالي الأزمات، بسبب استمرار الحرب بين أطراف النزاع في اليمن، التي لا بوادر مشرقة لإيجاد تسوية مرضية لجميع الأطراف وإنهاء الحرب التي أكلت الأخضر واليابس، طوال أربع سنوات من الصراع، يدور الناس في دائرة الحيرة، ويتساءلون عما إذا كان هناك من بإمكانه إنقاذهم من جشع المتسببين برفع الأسعار في المواد الأساسية!
التعليقات