تتباين رؤى النخب السياسية والثقافية في العاصمة صنعاء، تجاه قضية الوحدة في ذكراها الـ 26. إلا أن تمسّكاً ملحوظاً، بأساس فكرة الوحدة، يطغى على ما عداه. مع ذلك، لا تغيب الإعترافات بالأخطاء، والتعقيدات، ومراكمات فشل إداري، تستدعي الحل على أساس "تصحيح مسار الوحدة، والمشاركة الجنوبية الحقيقية".
أزمة الوحدة
لا ينكر عضو المجلس السياسي لـ"أنصارالله"، عبدالملك العجري ، أن واقع الوحدة اليمنية، محاط "بحزمة من التعقيدات السياسية والأمنية والحقوقية المتراكمة والمتناسلة". ويقول العجري، لـ"العربي"، إن مضاعفات هذا الواقع، النفسية والإجتماعية، أدّت "إلى تحوّل قضية الوحدة من قضية إجماع شعبي ووطني، إلى أن أصبحت من المواضيع الإنقسامية على المستوى الشعبي، والمثيرة لجدل لا يتوقّف بين النخبة السياسية، وصراعات عسكرية وأمنية دامية".
وعن مشاكل الوحدة وآفاقها، يعتقد القيادي في "أنصار الله" أن "النظام السياسي لدولة الوحدة، فشل في تحويل مشروع الوحدة من حالة شعبية عاطفية ووطنية، إلى مشروع سياسي يتجسّد في دولة تتجاوز النظامين السابقين، إلى نظام سياسي ديمقراطي يعبّر عن الكيان الحضاري والثقافي والجغرافي في كل واحد، بعيداً عن مفاهيم الضم والإلحاق والغلبة والإبعاد". ويتابع بالقول: "كما كانت فكرة الحرب لحماية الوحدة خطأ، فإن تحميل الوحدة مسؤولية أزمة اليمن وأزمة الجنوب، خطأ لا يقل عن الخطأ الأوّل"، موضحاً أن أزمة الوحدة تأتي في سياق الأزمة اليمنية الشاملة، ولذلك يرى العجري أن حلّها "ليس بالإنتقام من الوحدة ولا تحميلها كل الأوزار والأزمات"، وأن حلها، "يجب أن يكون في إطار الأزمة اليمنية الشاملة، وإصلاح مسار الوحدة، من خلال حوار وطني جاد ومسؤول، وبمشاركة جنوبية حقيقية، تتجاوز سياسيّة التمثيل الجنوبي غير الناضج فيها".
الوحدة: مشكلة أم حل؟
أمّا نائب رئيس دائرة السلطة المحلية بالمؤتمرالشعبي العام، عبد الباسط الكميم، فيرى أن "الوحدة اليمنية ليست مجرّد إعلان احتفال بتوقيع اتفاقية اندماج حكومتين أو نظامين سياسيين، وإنما هي إنصهار فكري وثقافي واجتماعي، في لحمة وطنية ثابتة وراسخة عبر التاريخ"، وأن "حالة التشطير هي الإستثناء"، مشيراً إلى أن "الحديث عن واقع الوحدة اليمنية، بعد مرور 26 عاماً على إعادة تحقيقها في 22 مايو 1990م، يعدّ حديثاً فائضاً عن الحاجة"، وذلك لأن "منجزات الوحدة التنموية، في المجالات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية، المنتشرة على عموم تراب الوطن اليمني، هي أفضل تعبير يتحدّث بلغة الأرقام عن واقع الوحدة، على المستوى الشعبي والجماهيري، بصرف النظر عن واقعها في جدول الخلافات السياسية".
ويضيف الكميم أنه "من الخطأ تحميل الوحدة، مشاكل وأخطاء الحكومات المتعاقبة... لا ذنب للوحدة فيما وقع من مظالم أو إجراءات إدارية مخالفة للنظم والقوانين واللوائح الإدارية، في مختلف أجهزة وهياكل الدولة الإدارية"، وحول آفاقها المستقبلية، يصرّ القيادي المؤتمري على أن "الوحدة اليمنية، هي مركب الأمان الوحيد، وطوق النجاة الآمن، لنجاة جميع اليمنيين، وأن التداول السلمي للسلطة عبر الإنتخابات، هو الطريق الحضاري، لمعالجة جميع المشاكل المحيطة بالوحدة اليمنية، والعبور بمركبها إلى آفاق مستقبلية رحبة".
المشكلة في الإدارة لا في الوحدة نفسها
المحلل السياسي، طه العامري، يرى من جانبه، أن الوحدة اليمنية، "ستظلّ رغم كل الظروف التي واجهتها والتي تعيشها، هي أيقونة العمل الوطني في اليمن"، ويقول، في حديث لـ"العربي"، إن الوحدة "ستبقى، رغم كل التحدّيات، هي عنوان حراكنا المستقبلي، وهي ديدن نضالنا، لسبب بسيط وجوهري، وهو أن الوحدة لم تكن يوماً ما فعلاً ترفياً، أو حدثاً عابراً، بل كانت وستبقى غاية وطنية، وهدفاً شعبياً، وخياراً إستراتيجياً".
وعن المشاكل التي تحيط بالوحدة، يرى العامري أن ما يجري اليوم ويقال حول الوحدة "هو نزق سياسي لنخب اتخذت من الوحدة مظلّة لتحقيق ذاتها، وحين شعرت أن هذه المظلّة تنحسر عنها، راحت تكفر بالوحدة بحثاً عن ذاتها"، موضحاً في هذا السياق أن ما وصفها بالإنتهازية السياسية والحزبية، "طغت على كل القيم والأخلاقيات والمثل الوطنية".
ويشير المحلّل السياسي، طه العامري، إلى أن المستقبل اليمني سيبقى مرهوناً بالوحدة، ويضيف "يدرك هذه الحقيقة الجميع، بما فيهم دعاة الإنفصال، الذين كما يزعمون يريدون الإنفصال من أجل تصحيح مسار الوحدة"، ويتابع العامري "وهذه الفكرة ليست نكتة، بل طرح يطرحه الطرف المناوئ للوحدة، استدراكاً لمصالح لم تثبتها دولة الوحدة لقوى انتهازية، غارقة في مستنقع الإرتهان".
وفي الوقت نفسه، يرى أن "الآفاق أمام الوحدة اليمنية، صعبة ومعقّدة، لكنّها ليست عصية على الحلول... إن توفّرت النوايا الصادقة، والإرادة الوحدوية المجرّدة من الحسابات السياسية الضيقة". ويتمسّك العامري بتفاؤله، قائلاً: "ليس في كل ما يحدث بالمناسبة شرّ مطلق، هناك الكثير من عوامل الخير الذي سيولد من تحت أنقاض المرحلة ومن رحم الأزمة"، ويضيف: "وهذا ما يمكن الشعور ببوادره من خلال بعض الأصوات العقلانية التي ارتفعت من تحت ركام الأزمة والحرب والعدوان". وايختم بالقول: "الوحدة هي قدر شعبنا ووطننا، والمشكلة لم تكون يوماً مع الوحدة، بل مع من أداروا قيادة سفينة الوحدة".
تمدّد الحوثيين أعاد المشهد إلى ما قبل 2014
إلى ذلك، يرى أستاذ الإجتماع المشارك في جامعة صنعاء، عبد الملك الضرعي، أن الوحدة اليمنية "شكّلت نقطة فارقة في التاريخ اليمني. وقد مرّت بتحدّيات كبيرة خلال 26 عاماً، بدأت بحرب 1994م، مروراً بإعلان الحراك الجنوبي في 2007م، وما تبعه من تصاعد للمطالب الإنفصالية التي بلغت ذروتها عام 2014م، بعد إهدار نتائج مؤتمر الحوار الوطني"، مشيراً في هذا الصدد إلى أن "التدخّل الدولي في تعديل التدهور السياسي الأمني الذي أعقب تمدّد الحوثيين في اتجاه المحافظات الجنوبية، أعاد المشهد السياسي في المحافظات الجنوبية إلى ما قبل 2014م، وبدأت العودة إلى طرح خيار الوحدة كخيار إستراتيجي لدول التحالف وعلى المستوى الشعب".
ويضيف الضرعي، في حديثه لـ"العربي" ، أنه كذلك "نتج عن أخطاء وممارسات سلطات عدن في الفترة الأخيرة تراجع ملحوظ لفكرة المطالب الإنفصالية التي تحقّقت منذ سنوات"، وبالنسبة لمستقبل وآفاق الوحدة اليمنية، يشدّد الضرعي، على أن الوحدة، "وفق المعطيات الحالية تبدو أكثر أماناً من ذي قبل"، ويستدرك "إلا أن أي تغير في مواقف دول التحالف تجاه الوحدة، أو ظهور مستجدات محلّية جديدة معزّزة للمطالب الإنفصالية قد يغير من المشهد المستقبلي المعزّز لبقاء اليمن موحّداً".
المشاريع المناطقية غير قابلة للحياة؟
القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام، عبد الحفيظ النهاري، يؤكّد، لـ"العربي"، أن المخاطر التي تحدق بالوحدة "تعيد الإعتبار لأهمّية الوحدة اليمنية، وتلقي درساً جديداً"، لمن قال إنهم "استخفّوا بهذا المنجز الوطني، أو لم يقدّروا قيمته حق تقديرها".
ويرى أن المشاكل المحيطة بواقع الوحدة في ذكراها السادسة والعشرين، صورة من صور عودة "التكالب الإمبريالي الرجعي الذي واجهته منذ فجر الثورة اليمنية، 26 سبتمبر و14 أكتوبر"، وبحسب رأيه فإن "الأحداث والهجمة الإمبريالية الرجعية المرتدّة تثبت كم أن تلك القوى لم تنس ولم تقبل مستوى الحرّية والتقدم والإستقلال الذي أراد الشعب اليمني تحقيقه لنفسه ليعيش حرّاً مستقلاً".
وحول آفاق الوحدة ومستقبلها، يجزم نائب رئيس الدائرة الإعلامية في "المؤتمر" أنّ " كل المشاريع الفئوية والمناطقية والشخصية والمصلحية، هي مشاريع غير قابلة للحياة، بعد أن شب المشروع الحداثي الوطني عن الطوق، وأمضى الشعب اليمني نصف قرن من الحرّية والإستقلال والثورة والديمقراطية"، وهي مرحلة يعتقد النهاري أنها كافية "لسقوط كل المشاريع والرهانات غير الوطنية، وانتصار إرادة الشعب اليمني، صاحب الإرادة والخيار الثوري الجمهوري الوحدوي الحر".
التعليقات