الحياة السياسية مذ كانت المجتمعات معجونة بالمشاكل والمعوقات، بل بالدسائس والمؤامرات، فلم يصفُ منها زمان ولا بلاد، حتى إنه قد يضحي فيها القريب بقريبه، بما فيها قرابة البنوة والأبوة، وصفحات التاريخ طافحة بها، وكل من تدور عليه الدوائر من أقطاب تلك السياسة يبحث له عن مخارج أنى كانت طبيعتها؛ لأنها قد تكون عنده فارق بين البقاء والفناء.
واللجوء إلى التستر بزي امرأة للتخلص من المآزق تكرر في أكثر من حدث في تاريخنا العربي ولاسيما الأحداث المتعلقة بغوائل السياسية، وتتوالى أسماء الحكام من خلفاء وأمراء ووزراء ممن لجأوا لتلك الحيلة؛ إنقاذًا لأعناقهم ونفاذًا بجلودهم من أخطار محققة يكون مصدرها غالبًا خصومهم السياسيين، فمنهم من نجح وأنقذ حياته، بل عاد إلى ملكه وسطوته، ومنهم من كُشف وانتهى أمره إلى ما منه هرب.
فمن هؤلاء الأمير العباسي المكتفي بالله، الذي اضطر أن يتخفى بزي امرأة؛ كي يتمكن من الخروج من قصر الخلافة بعيدًا عن أعين الرقباء من أجل أن يقابل من عزموا على إيصاله للحكم، وخلع سلفه الخليفة العباسي الراضي بالله.
ومنهم الأمير الأندلسي المستكفي، حاكم قرطبة، فقد ساءت سيرته في رعيته، فنقم عليه قومه، وعند ما أحس ببوادر خلعه وعزله غادر قرطبة متنكراً في زي امرأة. وكان ذلك في سنة 416هـ (مايو سنة 1025م). وسار في نفر من صحبه، وعندما وصل إلى أطراف قرطبة اغتاله بعض مرافقيه، لاعتقادهم أنه هرب وهو يحمل أموالاً جزيلة.
ومنهم الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، قبل وصوله إلى مصر، ففي أحد غزواته نفد ما كان معه من أموال، وقلت عُدده، وتفلت منه رجاله، وأشرف على التلف؛ فلم يجد سبيلاً غير إعمال الحيلة في خلاصه، فهرب متخفياً في زي امرأة حتى انتهى إلى مدينة المهدية عاصمة دولتهم في المغرب.
ومنهم الأمير إبراهيم بن المهدي، الذي هرب من ابن اخته الخليفة العباسي المأمون، بعد أن فشل في الانقلاب عليه، ثم ألقي القبض عليه في بعض شوارع بغداد وهو متنقِب مع امرأتين، مرتديًا زِيِّ امرأة، حيث طلب منهن الحارس الذي شك في أمرهن أن يُسْفِرْنَ عن وجوههن، فامتنع إبراهيم، فَجَذَبه، فبدت لحيته، وبعد التعرف عليه ذهب به إلى باب المأمون وأعلمه به، ثم سلمه إليه.
ومن الوزراء الذين فزعوا إلى تلك الحيلة الأنثوية الوزير محمد بن علي، المعروف بلقب ابن مقلة، فقد كان وزيرًا للخليفة العباسي القاهر بالله، فلما عزله تآمر ابن مقلة عليه وصار يجتمع بقادة الجيش ليلا، تارة في زِيِّ أعمى، وتارة في زِيِّ مُكَدّ، وتارة في زِيِّ امرأة، ويغريهم به.
والوزير أحمد بن عبيد الله الخصيبي، وقد كان أيضًا وزيرًا للخليفة العباسي القاهر، فلما نجح تدبير وزيره السابق ابن مقلة وتم خلع الْقَاهِرِ، هرب الوزير الخصيبي مستترا في زِيِّ امرأة، وظل مختفيًا حتى مات بالسكتة القلبية.
ومثلهما المحسّن نجل الوزير المصري الفضل بن جعفر بن الفرات، فقد هرب واستخفى بعد مقتل والده على يد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، ثم ألقي القبض عليه وهو متخف في زي امرأة، مع أنه بالغ في التنكر حتى أنه حلق لحيته وخضب يديه ورجليه.
والوزير اليمني الصليحي جوهر بن عبد الله المعظمي، الذي كان وصيًا على أبناء الأمير الصليحي المكرم بن محمد، وكان جوهر متحصنًا في حصن الدملوة المنيع، ولما حاصره الأيوبيون عرض عليهم تسليم الحصن مقابل الخروج الآمن لأسرة الأمير الصليحي، وبعد الاتفاق وعند خروج النساء من الحصن خرج جوهر بينهن في زي امرأة حتى وصلوا إلى المخا ونجا معهن.
وحديثًا وجدنا الوزير العراقي نوري السعيد، يفعل الأمر نفسه، وهو آخر من تولى رئاسة الوزارة في العهد الملكي بالعراق، فلما قامت الثورة في بغداد (14 يوليو 1958) وقتل الملك اختفى نوري عن الأنظار يوماً أو يومين، ثم خرج في زي امرأة، فعرفه بعض أهل بغداد، وكان مصيره القتل.
وبالاكتفاء بتلك الأمثلة التي زامنها وسبقها ثم تلاها أمثلة أو حوداث أخرى لجأ فيها مزنوقوها لجلباب المرأة وعباءتها ونقابها بل وزينتها، فذاك يدل على وجود ملحوظ لها في تاريخنا ولاسيما مشهده السياسي، سوّغه ما للمرأة في مجتمعاتنا الشرقية من حرمة خاصة، حتى أطلقت بعضها لفظ حرمة على المرأة نفسها كما في مجتمعنا بحضرموت، وإذا دار الأمر بين الحياة أو الموت حلت جميع السبل، وسلكت جميع الأسباب، ومن بينها لبس العباءة ولا دناءة، والتلفع بالنقاب ولا عتاب.
التعليقات