بدعوى تأمين تدفق المساعدات الإنسانية لليمن ومنع دخول السلاح الإيراني لـ«الحوثيين»، يشن تحالف العدوان الأمريكي السعودي هجوماً عسكرياً هو الأكبر والأعنف لاحتلال مدينة الحديدة وبسط السيطرة على مينائها.
زامن هذا الهجوم من قبل العدوان، قصف إعلامي وحملات تضليل وحرب نفسية قذرة وهائلة استهدفت الرأي العام في تهامة بالخصوص وعموم الرأي العام اليمني في جغرافيا السيطرة الوطنية، والذي يمثل في غالبيته المجتمعية حاضنة ساندة للجيش واللجان.
خطاب سيد الثورة، السيد القائد عبدالملك الحوثي الأخير، ركز على تفنيد دعاوى العدوان أمام الرأي العام. بشفافية بالغة وبمنطق جدلي سديد وموفق، وضع سيد الثورة شعبه وتهامة في مقدمهم في صورة مشهد الصراع الذي لا تخفى حقائقه وطبيعته إلا على ساذج بالغ السذاجة أو منافق مريض الدخيلة.
قال سيد الثورة، إننا نقبل بإشراف ورقابة أمميين على حركة دخول البضائع التجارية وغيرها لميناء الحديدة، وأكثر من ذلك، الإشراف على إيراداته المالية حجماً وأوجه إنفاق، وهي إيرادات تبلغ في حدها الأقصى - بحسب السيد - أربعة مليارات ريال، يجري صرف جزء منها على الحديدة وبقيتها لمواجهة سداد أقساط من رواتب موظفي الدولة والجهاز الإداري لها. وأضاف: فلتشرف الأمم المتحدة على ذلك، ولتتكفل بالإيفاء ببقية رواتب الموظفين سحباً من أموال الشعب المنهوبة وإيرادات منافذه وثرواته الواقعة تحت الاحتلال.
هل هناك شفافية وامتثال لدعاوى المصلحة العامة أعلى سقفاً من هذا السقف؟
لكن تحالف العدوان، الذي يرفع الدعاوى الإنسانية تذرعاً، ويسعى لتضليل الرأي العام المحلي والعالمي، لا يفعل ذلك كرمى إنسان اليمن، الذي يغدق عليه طيلة أربعة أعوام بالقنابل والصواريخ والأسلحة المحرمة، وإنما يتذرع متخفياً خلف قميص ضحايا آلته العسكرية، بغية احتلال اليمن إنساناً وأرضاً، وفي صدارة أهدافه المرحلية غير المضمرة - بطبيعة الحال - بسط السيطرة على السواحل اليمنية ومدن الإطلالة البحرية المتاخمة للبحرين العربي والأحمر بأرخبيلاته.
ذلك ما فعله منذ بدء عدوانه ولا جديد على مستوى مستجدات المعركة الأخيرة سوى حجم التضليل الإعلامي والظهور المباشر والفاضح لأمريكا وبريطانيا وفرنسا في مسرح العدوان سياسياً وعسكرياً.
يزاول تحالف الأمريكي والسعودي قرصنة كاملة على حركة دخول السفن إلى ميناء الحديدة وتفتيشها ومنحها تراخيص عبور ولا إمكانية للتدليس على الرأي العام بالقول إن سلاحاً إيرانياً يمر منه وتصوير «الحوثيين» كمستفيد وحيد منه على حساب بقية فئات وشرائح الشعب اليمني، هذا برغم أن ميناء الحديدة هو المنفذ البحري الوحيد العامل والنشيط ضمن السيادة الوطنية قياساً ببقية المنافذ العاثرة عمداً، والواقعة تحت احتلال التحالف كما أنه المنفذ الآمن إلا من غارات العدوان وقصف بارجاته، وهو أمر يدحض دعاوى التحالف الناعقة باسم تأهيله وتأمينه، وهي التي عطلت بقصدية استعمارية نظيريه في عدن وحضرموت، وحولت هاتين المحافظتين الساحليتين إلى مسرح مفتوح لنشاط عصابات القاعدة وداعش الإجرامية الإرهابية، علناً ووراء غطاء «الشرعية والنخب الميليشياوية»، التي أنشأتها وسلحتها لتعميق الاحتراب الأهلي في الجنوب، وتمزيق جغرافيته ونسيجه الاجتماعي.
وعدا مجازر العدوان بحق الإنسان اليمني والتهامي تحديداً، ثمة ظاهرة «اغتصاب الأعراض» في المناطق المحتلة، وغير بعيد اغتصاب فتاة الخوخة قبل أشهر، واغتصاب فتاة التحيتا بعد قتل والدها واقتيادها إلى ثكنات التحالف ومرتزقته، طبقاً لإقرار فصيل «عفاش» التابع للتحالف.
عن هذه البشاعات بحق الجغرافيا المحتلة وبحق إنسانها، تجلت وتتجلى دعاوى «التحرير والإنسانية» التي يتذرع بها تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي، وهي دعاوى رفعها المحتلون في كل زمان ومكان، وفي العراق ولبنان وليبيا، كأبرز نماذج معاصرة وحية في أذهان شعوب المنطقة، يؤكد سيد الثورة.
لن نساوم على حريتنا، ولن نتنازل عنها، ولو زحفت علينا كل جيوش العالم، ووقوع بعض الأرض في يد الاحتلال، أو حصول اختراق ميداني لصالح الغزاة هنا أو هناك، لا يعني أن رفضنا ومقاومتنا وصمودنا ومواجهتنا له ستنتهي، بل ستستمر وتزداد زخماً، فالإنسان الذي يغلي حريته ويذود عنها هو قادر على استعادة التراب وتحريره وإعادة إعماره، فجوهر المستهدف بالعدوان، ومحوره هو حرية الإنسان، باعتباره القيمة الوجودية التي تمنح وجوده معنى وقيمة وتتيح له سيادة حقيقية على ترابه وأرضه لا قرار لأحد معها لغيره.
يقر بعض دمى المرتزقة والعملاء في هذا السياق، بأن الإمارات هي صاحب القرار في جنوبنا المحتل، وأن دخولهم وخروجهم لا يجري إلا بتصريح من ضباطها في عدن.
إن رفضنا ومواجهتنا للاحتلال ومشاريعه، وحقنا في السيادة على ترابنا واستقلاله، وفي حرية قرارنا، هو مسألة مبدأ لا مساومة عليه، ولا تفاوض فيه، كما أنه ليس مساراً «حوثياً» انفرادياً، بل مسار كل شرفاء شعبنا، ولو لم يكن كذلك، لما احتشد أبناء تهامة واليمن بالعموم، من كل حدب وصوب، إلى معركة الساحل ليسطروا بطولات لم تدر حتى في خلد كُتاب الأساطير، وهي معركة مستمرة منذ عامين وثمانية أشهر، من «ميدي شمالاً إلى باب المندب وذوباب غرباً»، لا منذ «ستة أيام»، طبقاً لتدليسات إعلام العدوان المصاحبة لهجومه الأخير على الحديدة.
كان الساحل خلال سنوات العدوان، مستنقعاً ابتلع نخبة قادة التحالف الغازي وكبار ضباطه وفخر عتاده العسكري - يؤكد السيد القائد - واليوم هو كذلك، وسيكون غداً مقبرة كبيرة للعدو، ستجعله يندم ويدرك أنه وقع في أكبر ورطة منذ بدء عدوانه على اليمن.
إن الحاضنة التهامية، هي التي تقاتل اليوم، وتسند العمود الفقري لمقاتل الجيش واللجان، ومعركة الدفاع عن الحديدة، لا تخص «الحوثيين» وحدهم، ولا أبناءها فحسب، بل عموم أبناء اليمن، فكما أن استهدافها بالاحتلال يضر بها وبمجتمعها أولاً، فإن ضرره سيمتد ليشمل مختلف بقاع اليمن الحرة وغير الخاضعة لسيطرة تحالف العدوان وأدواته المحلية.
هذا ما ينبغي أن يعيه العالم ويأخذه في حسبانه، وقبل ذلك السذج والانهزاميون من أبناء البلد الذين يقعون فرائس سهلة للتضليل واليأس، ويرون في خسارة بعض التراب مدعاة للتسليم بالاحتلال، لا حافزاً إضافياً للمضي في مواجهته بمسؤولية أكبر واندفاع أشد وأوعى من ذي قبل وبهمة لا تصيبها سهام القصف النفسي في مقتل من السهم الأول، كحال ذوي الدوافع الحسابية المحضة وغير المتوافرة على الحرية، كقيمة مطلقة ومبدأ ثابت لا رجوع عنه أياً كانت الكلفة.
تفضلوا أيها الأمميون وأشرفوا على حركة التدفق التجاري والإنساني في الميناء، الذي لم يكن منذ قرابة أربعة أعوام بعيداً عن مرمى عيونكم، فقد كان لكم مندوبون فيه طيلة سنوات العدوان، يقول سيد الثورة، ويضيف بحزم وصرامة: أما نحن فماضون في رفضنا ومواجهتنا للعدوان ومشاريعه وصولاً إلى تحرير كامل التراب وبسط السيادة الوطنية عليه.
ليس مهماً في تقدير السيد عبدالملك، بلوغ رسالته آذان الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، فالأهم والأولى أن تلامس أسماع وأفئدة شعبه، ليدرك سقف التنازلات أمام معاناته، وإنهاءً لحصار العدوان المطبق على قوته ودوائه، كما وسقف الثوابت التي لا تنازل عنها لوجه معاناة أو وجع أياً بلغ مداه، فالذلة ليست بلسماً للألم، ولا تشفع للمستذل الخانع لدى مذليه، فيبلسموا ألمه ويرفعوا المعاناة عنه، وإنما تنزلق به في درك شظف واستذلال أنكى ومعاناة أشد، لا ريع خلاص يرجى منها.
التعليقات