إلى عشرات القرون الماضية يعود تاريخ مدينة كوكبان ذات العبق الأثري والجمال الطبيعي الفياض، والواقعة شرق مدينة المحويت في اليمن، وتبعد عنها بحوالي 76 كيلومتراً، وعلى سفح جبل ذخار، المرتفع عن مستوى سطح البحر بما يقارب 2800 متر، تتربّع مدينة كوكبان، محتضنةً هويتها الثقافية المليئة بالأسرار والعجائب، ومخزونها الثقافي الفريد، كعوامل جعلت منها قبلة للزوار وهواة الفن والشعر، ومصدراً للإبداع، حيث نهل العديد من الفنانين والأدباء والشعراء من معينها الذي لا ينضب.

23 غارة

على مدى 3 أعوام ماضية، تلقت مدينة شبام كوكبان، في محافظة المحويت، قرابة 23 غارة لطيران «التحالف» الذي تقوده السعودية، وفقاً لإحصائية أعدّها موقع «العربي»، وحسب مصادر محلية تحدثت إلى «العربي»، فقد استهدفت غارات الطيران مئات المواقع الأثرية من مكونات المدينة، منها قلعة وبوابة المدينة، وحصن «المخّير»، وبركة المدينة الأثرية، وسمسرة المرازم، والأسوار العالية المحيطة في المدينة، ومئات المنازل الأثرية ضمن مكون المدينة ذات الشهرة العلمية والفنية والأدبية.

مليار و700 مليون خسائر مادية

وقدرت تقارير رسمية صادرة عن مكتب السياحة وهيئة الآثار في محافظة المحويت، حصل «العربي» على نسخة منها، قدّرت قيمة الخسائر الأولية الناتجة عن استهداف طيران «التحالف» للمناطق السياحية في مديرية شبام كوكبان، بمليار و700 مليون ريال، وبسبب الغارات والحصار المفروض على اليمن، ذكرت التقارير أن القطاع السياحي في المدينة، تكبد خسائر بنحو مليار ريال جراء تجمّد عمل المنشآت السياحية من مطاعم ومتنزهات وفنادق منذ 3 سنوات ماضية.

تدمير ممنهج لتراث إنساني

ويعتبر مدير فرع الهيئة العامة للآثار في محافظة المحويت، المهندس محمد يحيی إبراهيم، أن صمت المنظمات الدولية المعنية إزاء استهداف طيران «التحالف» للمواقع الأثرية والتاريخية، التي تزخر بها مدن المحويت، وتدمير المرافق والمنشآت السياحية، جريمة حرب بحق اليمن وتاريخه وحضارته وتراثه الإنساني، مطالباً المنظمات الدولية المعنية، باتخاذ موقف جاد إزاء ما وصفها «جرائم التدمير الممنهج للمدن والمواقع التاريخية والأثرية، باعتبارها من التراث الإنساني العالمي».

شواهد عيان لتاريخ من نور

تمتاز مدينة شبام كوكبان بجمعها بين جمال الطبيعة وعبق التاريخ، وتعدّ واحدة من المتنفسات السياحية التي يقصدها الناس للراحة والاستجمام والهروب من صخب المدينة وضجيجها، لذلك يفضلها الكثير من الناس للترويح عن النفس، كونها تمتاز بالهواء النقي فضلاً عن كونها مزاراً لعشاق السياحة التاريخية ومحبي التاريخ والآثار، إذ تنفرد هذه المدينة عن الكثير من المدن اليمنية الأخرى، بأنّها تحكي جزءاً من تاريخ اليمن عبر العصور، من خلال ما تحويه من شواهد وآثار قديمة وإسلامية، ما يزال الكثير منها حتّى يومنا هذا تمثّل شاهد عيان يروي بصدق قصة ذلك الإنسان الذي نحت الصخر بأنامله وسطّر تاريخه بأحرف من نور.

أُسر فنيّة وأغانٍ شهيرة

اشتهر سكّان مدينة كوكبان بعشق الفنّ والطّرب، حتّى قيل بأنّه قد لا توجد أي دار من دور كوكبان إلاّ وفيها آلة عود، لذلك أفرزت كوكبان الكثير من الشعراء من آل شرف الدين، والعديد من الفنانين الغنائيين، الذين يأتي على رأس قائمتهم الفنان الكبير محمد حمود الحارثي، والذي له أكثر من 200 أغنية، ومن أغانية: «سقاش ياكوكبان العز، وروضة بلادي، يا حصن وادي النعيم»، أيضاً هناك الأسرة الفنية العريقة من آل الأخفش، التي أنجببت العديد من الفنانين الكبار، ويأتي من أبرزهم حالياً عبدالرحمن الأخفش.

شبام كوكبان في المراجع التاريخية

جغرافياً تبعد مدينة شبام كوكبان عن العاصمة صنعاء، مسافة مقدارها 45 كيلومتراً، ويحدّها من الشمال مديرية ثلاء، ومن الجنوب بني مطر والحيمة الداخليّة، ومن الشرق مديريّتا همدان وبني مطر، ومن الغرب مديريّة الطويلة، وتاريخياً تعتبر مدينة شبام كوكبان واحدة من أهمّ المدن التاريخيّة، والتي يعود تأسيسها إلى ما قبل القرن السابع قبل الميلاد، وأوّل ظهور لها كان في نقش النصر الموسوم (RES.3945) الذي دوّنه «كرب إل وتر بن ذمار بن علي»، مكرب سبأ في القرن السابع قبل الميلاد.
وتشير المراجع التاريخية إلى اتخاذ كوكبان معقلاً لعاصمة الدولة اليعفرية «شبام» في القرن الثالث الهجري. وفي القرن السادس الهجري، اتخذها الإمام المنصور عبدالله بن حمزة، عاصمة له. وفي القرن التاسع الهجري، عين الإمام شرف الدين ولده شمس الدين أميراً على كوكبان، واتخذها المطهر شرف الدين معقلاً حصيناً أثناء معاركه الحربية ضد الأتراك.

نجوم معلقة في كبد السماء

بحسب روايات أبناء المنطقة، فإن حصن كوكبان سمّي بهذا الاسم، لأنّه وجد في هذه المدينة المشيدة على قمّة سفح الجبل، قصران عاليان مبنيان بالحجارة الكريمة ومرصّعان بالفضّة والعقيق والمرجان والياقوت، مّا كان يجعلهما يلمعان ليلاً في منافسة شديدة مع النجوم المعلّقة في السماء، ما جعل هذان القصران يبديان وكأنهما نجمان كالكواكب الأخرى، أمّا المؤرخ اليمني الشهير الحسن بن أحمد الهمداني، فيرجع سبب تسمية مدينة كوكبان بهذا الاسم نسبة إلى «كوكبان بن ذي سفال بن أقيال بن زرعة، أحد الملوك الحميريين العظام».

...وعروس مطرّزة بالعقيق والياقوت

موقع مدينة كوكبان الفريد والمتميز، وطرازها المعماري، واخضرار قيعانها على امتداد النظر البصري الإنساني، ومعالمها ومآثرها التاريخية العظيمة، كل ذلك وغيره جعل من كوكبان من أهم وأبرز المزارات السياحية التي يحرص السياح من مختلف الجنسيات على زيارتها من أجل الاستمتاع بهوائها النقي وجمالها الساحر. إنّها بإختصار تلك المدينة التي تصافح السحاب نهاراً وتعانق القمر ليلاً، حكاية مدينة معلّقة في كبد السماء، عروسة مطرّزة بالعقيق والياقوت، وهي قصّة مدينة تبدو عبارة عن قلعة حربية، أو حصن في غاية الإحكام، ما زال شاهداً حياً على جانبٍ من تاريخ وحضارة اليمن السعيد!
التعليقات