في «المونديالات» يتجلى فاضحاً استثمار الغرب الاستعماري للموارد البشرية المسروقة من حواضن التفقير والبؤس والعوز في بلدان «العالم الثالث»، وفق التصنيف الغربي ذاته.
غادرت إيران «مونديال روسيا» من الدور الأول، وصعدت سويسرا بأقدام لاعبين من أصول غير أوروبية، أبرزهم الإيراني فالون بهرامي.
غادر كل من تونس والمغرب من الدور الأول؛ وصعدت بلجيكا وفرنسا بأقدام لاعبين توانسة ومغاربة وجزائريين، وتوِّجت الأخيرة كبطل لـ«كأس العالم 1998» لأول مرة في تاريخها بفضل رأسية الجزائري زين الدين زيدان.
وثمة الدوري الإسباني لكرة القدم الذي يحظى بأكبر نسبة مشاهدة عالمية بفعل التوليفة الكونية (اللاتينية ـ الأفريقية) الاحترافية، التي تضخ في الدورة الدموية للثنائي الـ«كلاسيكو» ذي الحضور الكوني (البارشا-والريال)، في المقابل ثمة المنتخب الوطني الإسباني الصرف، الذي يغادر الدور الأول لـ«المونديال» بعد عرض كروي هزيل ومخجل، بفعل شح الدم الملَّون فيه.
إن الوصاية والهيمنة الاستعمارية قديماً وحديثاً على بلدان جنوب وشرق الكرة الأرضية وآسيا وأفريقيا، ليست مفيدة لاقتصادات الغرب الرأسمالي ـ فحسب ـ بل ولرياضاته الموصوفة بـ«القومية» فردية وجماعية. فبفضل الدماء الملَّونة التي تضخها -ولا تزال- شعوب المستعمرات، باتت هذه الأنشطة الرياضية المحلية المغمورة، كونية الذيوع، وبعدما كانت تعقد بقصد الترويج والتسلية المشفوعة برهانات مالية أرستقراطية هامشية، صارت اليوم أحد أبرز محركات الاقتصاد المعولم ومصادر المداخيل المالية الفاحشة للسوق العالمية.
بالأمس كانت إدارة المستعمرات تقطع أقدام المزارعين الأفارقة عقاباً على عدم الإيفاء بالحصة المطلوبة من «المطَّاط» لمصانع إطارات السيارات الإنجليزية، واليوم تشتري أقدام أحفاد الأفارقة وتؤمِّن عليها من طوارئ الإصابة بمليارات الدولارات.
على أن الأحفاد من ذوي الأقدام الثمينة المحروسة ليسوا ـ بطبيعة الحال ـ أسعد حظاً من أجدادهم ذوي الأقدام المبتورة، فالقيمة الحقيقية في الحالتين كانت ولا تزال للسوق الاستهلاكية، في حين كان إنسان الشرق والجنوب المفقر -ولا يزال- مجرد خام زهيد الكلفة لا قيمة له في ذاته، بل في الحاجة المتغيرة لتروس الاحتكارات الكونية إليه!
إن موجات الهجرة المتنامية من الشرق المضعضع إلى الغرب المستتب ومن الجنوب المضطرب والكاسد إلى الشمال المستقر والمزدهر، تصنف اليوم كأبرز معضلة تواجهها البلدان الأوروبية وأمريكا، بحسب التسويق الإعلامي الغربي... والحقيقة أن هذه الموجات المهاجرة هي في التقييم غير المعلن لقادة الغرب بمثابة ثروات مجانية تأتيهم شُرَّعاً من جهة البحر، وهم إذ يتداولونها كمعضلة إنسانية في الإعلام، يتنافسون بضراوة حول من يحوز على حصة الأسد منها في الكواليس.
في غضون سبعة أعوام من الحرب الكونية على سوريا ابتلع الغرب وألمانيا تحديداً، معظم أبناء الطبقة المتوسطة السورية ذوي الأدمغة الفذة والأيدي الماهرة. وغير بعيد، فإن الرياضة والدراما الفرنسية تدين بالكثير من كوادرها وأفكارها لكائنات «الضاحية 13»، التي لا تزال باريس تصنف قاطنيها كمواطنين من الدرجة الرابعة.
من ريش النسور تصنع السوق المعولمة السهام التي تصطاد بها النسور... تلك هي المعادلة التي يحكم الغرب العالم من خلالها.
التعليقات