مازالت قصص زواج القاصرات في اليمن، تهز المجتمع، وتحدث في داخله تصدعات كلما علت صرخات طفلة صغيرة باكية تردد «لا أريد الزواج أتركوني ألعب»، لتصطدم رغبتها بإصرار أسري يجبرها على الزواج المبكر لدواعٍ، في الغالب تكون اقتصادية ودرءً لمشكلات عائلية عصية، وانقياداً وراء عادات وتقاليد اجتماعية لا تتناسب مع العصر ولم تعد تقبلها الحياة المدنية.
من الصعب حصر أعداد الفتيات الصغيرات اللاتي يدفعن للزواج ليبتلع أحلامهن الغضة، ويزجن في زنزانة مخيفة مظلمة. لكن من الحقائق الثابتة أن نسبه ازدادات منذ العام 2009، وبات انتشارها أكثر خطورة في سنوات الحرب.
تروي الناشطة الحقوقية عبير عبدالله لـ«العربي»، قصة الفتاة رائدة، البالغة من العمر 11 عاماً، و التي أجبرتها الظروف الأسرية المتردية على الزواج في سن مبكرة.
وتؤكد أن أسرة الفتاة رائدة أرغمتها على الزواج من رجل ثري في مدينة إب، أدى بها الحال إلى تعرضها للضرب ومنعها من مواصلة تعليمها.
وتضيف عبير «لم تكن هذه الفتاة هي الوحيدة، فهنالك الكثير من الفتيات ضحايا العنف الأسري، وغياب الرقابة وسن أقصى العقوبات لمن يتاجر بفتياته من أجل المال».
حرمان من التعليم
إنقطاع الفتاة عن التعليم في سن مبكرة، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالزواج المبكر، فهو يؤثر سلبياً على مداركها ويحرمها من حق أساسي من حقوقها، وتشير الكثير من الإحصائيات إلى أن
زواج القاصرات يشكل خطراً كبيراً على مستواها التعليمي، خصوصاً في الأرياف.
ويشير رئيس منظمة نداء الطفولة فضل الحضرمي، لـ«العربي»، إلى أن «الزواج المبكر يمثل سبب رئيس في التسرب من التعليم، وخاصة الفتيات، وهذا يجعلها أيضا غير قادرة على التسلح بالعلم والمعرفة في تربية أطفالها بشكل سليم، وكذلك ضعفها في إدارة شؤون الأسرة»، ويؤكد على أن «هذه الظاهرة غالباً تكون منتشرة في المجتمعات النامية نتيجة عوامل عدة أهمها الثقافة المجتمعية، وقل ما نجدها في المجتمعات المتقدمة».
ويضيف الحضرمي، أن «الزواج المبكر ظاهرة تصنف عالمياً في الإطار القانون الإنساني واتفاقية حقوق الطفل، بأنها انتهاك صريح لحقوق الأطفال، حيث تكمن خطورتها بأنها تجعل من الطفل أمام مسؤليات كبيرة لا تتناسب مع قدراته العقلية والجسدية والنفسية والتعليمية».
خطورة بالغة
وأوضحت دراسة أجرتها «اليونسيف» شملت عدة محافظات، أن معدّلات الزواج المبكر وصلت إلى درجة تنذر بالخطر ، وأكدت على أن 66% من الفتيات يتزوجن قبل بلوغهن سن 18 عاماً، كما أن 44.5% من الفتيات القاصرات تم تزويجهن في سن 15 عاماً.
ويشكل الزواج المبكر خطورة بالغة على حياة الفتاة، فجسدها الصغير غير قادر على تحمل مخاطر الحمل المبكر نتيجة عدم النضج البدني، الأمر الذي يشكل مجموعة من المضاعفات الصحية والتي قد تصل إلى الوفاة.
تقول طبيبة الصحة الإنجابية ابتهال نصر لـ«العربي»، إن «الزواج المبكر للفتاة عادة سلبية تنتشر في اليمن بصورة كبيرة مقارنة ببقية الدول الأخرى، ويكمن انتشارها في الأرياف نتيجة العادات والتقاليد والجهل بما يشكلة الزواج المبكر من أضرار صحيحة على الفتيات دون سن 18 عاماً».
وتوضح أن «الزواج المبكر ينتج عنه الكثير من المشاكل الصحية والنفسية للفتاة، إضافة إلى عدم قدرتها على تحمّل الألم إلى أن يصل ببعض الحالات إلى حد الموت».
الزواج المبكر في مخيمات النزوح
التدهور المخيف للأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها النازحون أنتج قصص ماساوية لفتيات لم يعرفن من الحياة سوى قسوتها،.
الناشط في أحد مراكز إيواء النازحين عبد الغني عامر ، يقول لـ«العربي»، إن زواج القاصرات في الآونة الأخيرة مرتبط بظروف الحرب التي تسببت في صعوبة توفير الغذاء والدواء، وأدت إلى قيام الكثير من الأسر، وعلى وجه الخصوص الأسر النازحة، بالدفع ببناتها إلى الزواج المبكر لتخفيف الأعباء المترتبة على الأسرة.
ويروي عبد الغني، قصة أسرة نازحة من مديرية المخا في محافظة تعز «قامت بتزويج ابنتها فاطمة البالغة من العمر 14 عاماً، لكن الزواج باء بالفشل ولم يستمر أكثر من خمسة أشهر»، ويضيف أن الأسباب تعود إلى «عدم اكتمال النضج لدى الفتاة، إضافة إلى عدم موافقتها على الزواج وإرغامها عليه».
اختلاف وجهات النظر
ويعد الزواج المبكر لدى فئات معينة من الناس «ضرورة للاستقرار الأسري»، ولا يعتبرونه جريمة بل يدعمونه بأحاديث دينية تعزز هذة الثقافة.
الطالب الجامعي محمد الحبيشي، يقول لـ«العربي»، إنه تزوج بفتاة عمرها 13 عاماً، وإنه «سن مناسب للفتاة، ولا أرى أن هنالك خطورة على زوجتي»، ويعتبر أن «زواجها في هذا السن يحقق لها الستر والسعادة والاستقرار الأسري المبكر».
التعليقات