ضاعفت الحرب، التي دخلت عامها الرابع، من معاناة المواطنين في مختلف المجالات، وكان نصيب شريحة أصحاب الاحتياجات الخاصة من هذه المعاناة كبيراً، ويصعب وصفه في بضع كلمات أو صور.
الشريحة «المنسية» في المجتمع، وجدت نفسها في أتون الحرب، تفتقد لأبسط الحقوق التي كفلتها المواثيق والقوانين الدولية، حقوق كانت في زمن السلم والاستقرار النسبي ليست كاملة أو بمواصفات على الأقل جيدة، لكنها اليوم باتت تتحسر مثلها مثل غيرها على ماض يبدو أنه ذهب من غير رجعه.
رئيس جمعية المعوقين حركياً في محافظة إب، أدهم علوة أكد لـ«العربي» بأن المعاناة التي يواجهها هذه الفئة من اليمنيين هي «معاناة أسرية ومعاناة مجتمعية، تتمثل في عدم تقبلهم ونبذهم، إضافة إلى معاناة اقتصادية تكمن في عدم صرف الضمان الاجتماعي، و عدم صرف المساعدات الدراسية، وكذلك إهمال المكاتب المختصه في ضمهم ضمن المستهدفين في المساعدات الإغاثيه، وتوقف الأدوية من قبل صندوق المعاقين، وتأخر صرف النفقات الخاصه بالجمعيات».
ويضيف، إن أصحاب الاحتياجات الخاصة «بحاجة ماسة إلى الإغاثه وصرف الأدوية والعلاجات، و توعية الأسر والمجتمع وصرف مستحقاتهم الدراسية، ودعم برامج الجمعيات».
لا دعم ولا رعاية
الظروف المعيشية القاسية للحرب، أدت إلى توقف الدعم المخصّص لاصحاب الاحتياجات الخاصة، وارتفاع نسبتهم، للتتجاوز أكثر من 92 ألف شخص، حسب إحصائيات الاتحاد الوطني للأشخاص ذوي الإعاقة.
الناشط في ناشط في مجال الإعاقة ناظم السالمي، يؤكد في حديثه لـ«العربي»، على أن « الحرب عملت بصورة أساسية على تلاشي حقوق الأفراد ذوي الإعاقة الجسدية والسمعية والبصرية»، ويشير إلى أن «واقعهم المعيش أصبح في غاية في السوء، جراء زيادة أعدادهم، في الوقت الذي لا يلاقي أحد منهم ما يحتاجة من حقوق».
إعاقة و حرمان
ولدى زيارتنا لمدرسة «الأمل للصم والبكم» في مدينة إب، لاحظنا ملامح الحزن تتقاسمها تعابير وجوة مكدرة، وتمتمات تحاول الصراخ بأعلى صوت، للمطالبة بأبسط حقوقها، لكن الإعاقة حرمتها حتى من البوح بمكنونات نفسها، فتجد أن بعضهم منهم يكتفي بلغة الإشارة، للتعبير عن حجم المأساة والمعاناة الإنسانية المتفاقمة التي يتجرعون مراراتها، في المدرسة التي
أصابها الشلل، وأصبحت تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية، ما جعلها عاجزة عن تقديم الرعاية التي يحتاجها الطلبة من أصحاب الاحتياجات الخاصة.
المدرّس في المدرسة محمد مثنى، يقول لـ«العربي» لقد «قامت المدرسة، ومعها جمعية رعاية وتأهيل الصم والبكم، بتقديم خدمات التعليم والتدريب والرعاية الصحيه والإغاثيه لمعظم طلاب وطالبات المدرسة، وبعض اعضاء الجمعية»، ويؤكد أن «أهم ما يعانيه الصم والبكم في الجانب التعليمي والاجتماعي، يبرز في صعوبة المناهج التي يدرسونها، وكذلك وضع اختبارات وزارية لا تتناسب مع ما تعلموه».
وأوضح أنهم «يعانون في الجانب الاجتماعي من قلة وعي المجتمع بضرورة مشاركتهم بالفعاليات المجتمعية، وكذلك رفض تزويجهم بسبب أنهم صم وبكم وحرمانهم من بعض المساعدات الاغاثيه، والدعم المؤسسي لمراكزهم».
البحث عن النور
عند زيارتنا لمبنى المكفوفين في مدينة إب، وجدنا االمعاناة تزداد تعقيداً، فجمعية «العين» لرعاية المكفوفين، تفتقر إلى الموازنة التشغيلة التي كانت تقدم لهم في السابق، مما جعلها تواجة الكثير من المشكلات، وعدم قدرتها على تلبية مايحتاجه المكفوفون.
الإداري في الجميعة محمد العنسي، يوضح لـ«العربي» أن «الجمعية تأسست عام 1998، وكانت رؤية الجمعية منذ تأسيسها هي الرعاية الشاملة وتأهيل كامل المكفوفين بجودة عالية».
ويؤكد أن «الجمعية تفتقر الآن إلى بناء سكن المكفوفين على أرضيتها، وبناء وحدات سكنية للأمهات والزوجات الكفيفات»، ويضيف «كذلك نحن بحاجة ماسة إلى دعم النفقات التشغيلية من ايجار مبنى وأجور عاملين ومحروقات ومحروقات للباص الذي يقوم بنقل الطلاب المكفوفين».
انتظار بحسرة وألم
في استطلاعنا الميداني، التقينا بهدى البعداني، التي تمنت أن «نلقى نحن فئة الإعاقة البصرية الحقوق التي حرمنا منها كثيراً»، وتضيف نحن «لا ننكر الدور الإيجابي التي تقوم به بعض الجمعيات، لكنها لا تستطيع توفير كامل احتياجاتنا من وسائل تعليمية متطورة وكوادر مؤهلة».
وعبر «العربي»، ناشدت الجميع لـ«يضافروا جهودهم من أجل كل أصحاب الاحتياجات الخاصة داخل اليمن لأنهم بحاجة ماسّة إلى من يتلمّس مشكلاتهم، ويعمل ليل نهار على حالها، وتوفير الراحة النفسية لهم».
استمرار غياب الحقوق
الناشطة في المجال الإنساني فاطمة السوسوة، تقول لـ«العربي» إنه «من المؤسف أن شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة تلاقي دائماً ومراراً إلا مباللاة من الجهات المعنية»، وتؤكد على أن «ففئة المكفوفين والمعاقين والصم والبكم، من أكثر الفئات تضرر في غياب حقوقها، إضافة إلى مطالبتهم التي لا تلقى لها أي آذان صاغية».
وتضيف السوسوة أن «ذوي الإعاقة البصرية والسمعية والحركية، بحاجة دائمة إلى الغذاء والدواء والرعاية المتكاملة إضافة إلى حاجتهم الماسة إلى الخدمات التعليمية، وهذه أبسط حقوقهم التي يجب على جميع الجهات الرسمية وجمعيات ومنظمات توفيرها، للتخفيف من معاناتهم».
إعاقة وتحدي
وعلى الرغم من وصول عدد أصحاب الاحتياجات الخاصة إلى نحو 650 مليون شخص حول العالم، وفقاً لتقارير سنوية لإحصائيات الإعاقة في العالم، لكن هذه النسبة لم تكن عائقا أمام إرادتهم وطموحاتهم في تحدي الإعاقة، رغم ظروف معيشتهم الشاقة والمرهقة.
وفي اليمن، يبرز اسم هيفاء عتيق، وهي من فئة الصم والبكم، التي استطاعت بعزيمتها وقوة إرادتها أن ترسم العديد من اللوحات المعبرّة، والتي نالت على أثرها الكثير من الجوائز.
لم تكن هيفاء، هي الوحيدة، فهنالك الكثير ممن كسروا حاجز الإعاقة، وسطّروا أروع الأمثلة بمواهبهم الفطرية وإبداعتهم اللامحدودة.
التعليقات