إذا كانت الفلسفة أمَّ العلوم كما يقال, فإنَّ الإعلام رفيق العلوم كلِّها وصاحبها الأزلي والأبدي معاً، الذي لا غنى لها عنه، حتى وإن لم يكن الإعلام داخلاً في تركيب نسيج هذه العلوم كالفلسفة، فهو مصدر «أعلَم» وأعلم بالشيء أي أخبر عنه، قبل أن يتجاوز هذا الدور، ليمتد في كل أنساغ الحياة إخباراً وترويجاً وتوجيها وإسناداً وأشياء أخرى لا مجال لحصرها.
وللإعلام قنواته ووسائطه التي تتطور وتتحدث بتحدث العلم وتطور التقنية، والإعلام المسموع «الإذاعة» أحد أهم وأقدم هذه الوسائط، وقد شهدتْ المكلّا مؤخراً وبشيء من التدقيق بعد «تحريرها» من مسلحي تنظيم «القاعدة» طفرة غير مسبوقة في الإعلام المسموع, وخصوصاً بعد «إتخام» الأثير المكلاوي بأصناف من الإذاعات الـ«FM» في فترة وجيزة جدا.
ولعلَّ هذه «الموجة العاصفة» أو «الثورة الانعتاقية» كما يحلو للبعض تسميتها، قد أصبحت ظاهرة بارزة لا يمكن تجاوزها، لا سيَّما أنَّها أصبحت مثار جدل كبير في الشارع الحضرمي والمكلاوي على وجه الخصوص.
«العربي» حاول تحليل الظاهرة وسبر أغوارها، وما ميزها من إيجابيات، واعتراها من سلبيات من خلال استطلاع ميداني، استنطق عينات من شرائح المختصين، والمثقَّفين، والمهتمين وأصحاب الشأن، الذين تحدثوا بشفافية فيما يلي :
انتشار مفاجئ
مع كل التراحيب التي تلقَّت بها الأوساط الثقافية بالمكلا هذا الانفتاح؛ إلا أنَّ القلق يساور بعضا منهم، حول ما إذا كان هنالك دافع سياسي، يقف خلف هذا الانتشار المفاجئ، قلق حاول حاول الإعلامي عمار جمال، المذيع في إذاعة «الأمل» التقليل من تداعياته، معلّلا ذلك بــ«أن الجميع -في حضرموت- موقن أن الحزب والتنظيم والتوجه هو حضرموت، ونهضتها فالكل ربما يقدم إعلاماً لأجل حضرموت ونحن في المقدمة نعمل لأجل حضرموت والوطن فقط».
الكاتب علي العوبثاني، يذهب إلى أبعد من ذلك, نافياً« وجود مثل هذه الدوافع أو الاستغلالات» ويرى أن هذه الظاهرة «جاءت كخطوة جريئة, وكسرا لسيطرة الإعلام المسيّس المتمثل في إذاعة ممولة حكوميا؛ لأننا في مجتمع مفتوح يقيس نبض كل إذاعة ويستخلص منها ما يروق له وينفر مما لا يروق له».
وتكتفي الكاتبة الشابة دعاء باصحيح، بالتأكيد على «أنّ هذه الإذاعات اختارت الخيار المسالم في ميلها نحو الثقافة والفنون، مبتعدة بذلك عن الخوض في الجدال العقيم».
في حين يرى الكاتب حمزة بامحفوظ، «أن على الإعلاميين القائمين على الإذاعات الحرص والاهتمام على أداء رسالة إعلامية هادفة تخدم المجتمع وتضعه محل اعتبارها الأول».
قصور الدور الرسمي
بدوره يؤكد الناقد الدكتور عبدالله حسين البار، على «ضرورة بروز هذه الظاهرة نتيجة قصور الدور الفاعل لإذاعة المكلا الرسمية على نحو سليم، وانعدام وجود الصحف التي تتابع حوادث المجتمع اليومية وتأذن بالتحليل لتلك الوقائع على أي نحو من الأنحاء»، ويشير إلى أن «حاجة المواطن إلى منابر إعلامية تصله بما هو حادث وتبين له عن أسرارها وخباياها، لكن ذلك غير متأتٍّ في هذه المرحلة من حياة المكلا».
وفي السياق ذاته يدير الإعلامي خالد القحوم، زاوية الحديث فيما أطلق عليه «حتميَّة الظروف التي أفرزتها طبيعة المتغيرات السياسية العامة التي يشهدها المجتمع في ظل الانفتاح الإعلامي في الزمن الآني».
خطوة بعد إفلاس إعلام «الطغمة»
كأي ظاهرة تقف خلفها أو تصاحبها ظروف عدة, يقول الباحث والكاتب سالم الجرو، واصفاً ظاهرة انتشار إذاعات الـ«FM» في مدينة المكلا بأنها «الخطوة الحتمية بعد إفلاس إعلام الطغمة، الذي يخدم القلة من المنتصرين في حروب كونية، خلت، تقسم العالم بعدها وفق أهواء ورغبات وإستراتيجية من جعلوا لهم وكلاء في كل مكان من المعمورة، معززين بوسائل وآليات منها الإعلام المفضوح والاستخبارات».
وأضاف «لا شك في أن النقلة أو الثورة الإعلامية المركزة والمكثفة ستخلق جيلا جديدا، وحياة جديدة خالية من تأثير سياسات الطغمة وتعصب المذاهب والطوائف».
ويوضح أن «الإعلام القديم المفضوح إعلام مسيس، يخدم زمرة محتلين جعلوا من أنفسهم أوصياء على أمم الأرض، مستغلين ثروات البلدان، فأسسوا للعداء بين الشعوب من خلال إعلام يغسل الأدمغة وحكام محليين وكلاء ومنظمات دولية تخدمهم، بينما الجديد ثورة عامة مناهضة لهكذا لصوصية وقرصنة تواكبها ثورة إعلامية تؤثر على الرأي العام المخدر».
تجربة خجولة
وقال الإعلامي أمير باعويضان، مدير إذاعة «الأمل» «إن انتشار الإذاعات المجتمعية والخاصة في حضرموت قد أحدث مفارقة كبيرة بين ما كان عليه وضع الإعلام الإذاعي في السابق، واحتكار الرسالة الإذاعية، للجهات الحكومية والرسمية لسنوات وبين تعدد الإذاعات في الوقت الحاضر الذي أسهم في تنوع البرامج والمواد الإذاعية وعمل على تعدد ساعات البث» لكنه يؤكد على أنه «رغم ذلك فإن التجربة الإذاعية في حضرموت لازالت خجولة بالنسبة إلى معظم الإذاعات الموجودة على الساحة اليوم».
نسخ «كربونية»
أما من ناحية البرامج المقدمة فتذهب الكاتبة الشابة فاطمة الحامد، إلى الاعتقاد بأنَّ «هذه الإذاعات ما زالت تعتمد على النسخ الكربوني، فليس هناك تجديد كبير في معظم البرامج وإن اختلفت المسميات، فالمضمون والفكرة تكرر نفسها بعدة صور».
ورأت أن «المجتمع يحتاج إلى تجديد دماء البرامج في عروق إذاعاتنا المحلية، حتى يرقى بها إلى المستوى المطلوب ونستطيع المنافسة سواء على الصعيد المحلي أو الدولي».
التراجع ستظهر ملامحه
وأعتبر الصحفي صلاح العماري، مدير إذاعة «سلامتك» «أن انتشار الإذاعات المجتمعية أحدث نقلة نوعية في عالم الإعلام المسموع، من جانب التنوع، وإفساح المجال للمهارات الشبابية».
وأشار العماري إلى «أن المستوى للإذاعات متوسط لكنهم شباب لديهم الطموح والموهبة، ويحتاجون الموجّه في هذه المرحلة خصوصاً، والبرامج في مضمونها العام عبارة عن اجتهادات لنيل طموح المستمع والشارع، لكن مع الوقت بالتأكيد ستكتسب الخبرة وسيتم تطور البرامج»، ويرى أن ذلك «لن يتم إلا في حال تم التوجيه وتوفير الدعم ومواكبة الجديد في عالم الإعلام المسموع، وإلا فالتراجع ستظهر ملامحه يوماً ما».
التعليقات