يلجأ تحالف قوى العدوان الأمريكي في الراهن؛ مكرهاً، إلى انتهاج تكتيك إعادة الانتشار السياسي بغية إعدام الأثمان المترتبة على ورطته العسكرية الثقيلة في الساحل الغربي.
أيقن محركو مشروع العدوان الغربيون من استحالة احتلال الحديدة على المدى المتوسط المنظور، ويفضلون ـ عوضاً عن معاودة المحاولة العسكرية ـ إعادة موضعة مجموع يافطات الذرائع المحلية التي بحوزتهم، بما يثمن مجموع الجغرافيا الواقعة تحت احتلال التحالف في الراهن.
ملامح خارطة إعادة الانتشار تلك تلوح في صورة (جنوب تعمل المكونات المطالبة بانفصاله ـ على مضض ـ تحت يافطة شرعية تسعى لإقامة دولة اتحادية من ستة أقاليم) وفي الجغرافيا المحتلة شمالاً (يحتدم احتراب فصائلي توافقي) يتعين أن يفضي إلى سيطرة كلية على تعز لجهة الإصلاح الموالي لقطر على حساب مليشيا أبو العباس الموالية للإمارات، وأن ينسحب الأمر ذاته على مأرب المحافظة النفطية التي خسر الجناح القطري الإصلاحي مواقعه القيادية فيها لجهة ائتلاف هجين إصلاحي عفاشي هو نتاج لتوافق قسري إماراتي سعودي عقب ديسمبر الفائت وفشل المخطط الخياني.
المحركون الغربيون لمشروع العدوان، وتحديداً بريطانيا والولايات المتحدة؛ يهدفون من خلال إعادة الانتشار على هذا النحو إلى تحقيق بعض المكاسب على طريق الغايات الكلية للعدوان، عوضاً عن خسارة كل المكاسب المتحققة في الراهن أمام متغيرات ميدانية عاصفة لمعركة طال أمدها وبدأت فضائح التورط الغربي المباشر فيها تفوح للعلن الدولي والرأي العام في الغرب.
جولة المفاوضات المزمع عقدها في جنيف مطلع سبتمبر المقبل هي نتاج لورطة تحالف العدوان ومن ورائه أمريكا وبريطانيا، وحاجتهما إلى برهة استجمام سياسي لا بأس لديهما من أن يكون ضمن هذه البرهة القبول مكرهتين بدور (صيني ـ روسي ـ إيراني) في مقاربة ملف الصراع في اليمن لا سيما عقب اتساع نطاق الاشتباك بحراً ولو على نحو محدود حتى اللحظة.
في الجولة المرتقبة تضارب أمريكا ـ بريطانيا بخليط «اتحادي انفصالي جنوبي محض» على أمل تطبيع سيطرتهما جنوباً، عبر انتزاع موافقة صنعاء لجهة تسوية تعيد رموز العمالة إلى سدة السلطة باسم «الشرعية» وتمهّد لـ«انفصال الجنوب» باسم «حق تقرير المصير»، وفي الأثناء فإن مليشيات التحالف الإصلاحية المتموضعة شمالاً في تعز ومأرب ستكون بمثابة قنطرة لأمريكا وبريطانيا للمضي في تقويض جغرافيا السيطرة الوطنية وصولاً إلى احتلالها وأقلمتها في نهاية المطاف وفق تقديراتهما.
إن زيارة هادي إلى القاهرة تمثل مؤشراً لحاجة التحالف الأمريكي السياسية إلى مصر كـ(لافتة للأمن القومي العربي) في مفاوضات موضوعها الرئيس ـ وفق أجندة غريفيتث ـ هو أمن البحر الأحمر ولا مناص خلالها من الإصغاء لمقاربة إيرانية بوصف إيران لاعباً لا يمكن تخطيه على مستوى المصالح والحضور البحري العسكري في المياه الدولية للمحيط الهندي.
ليس من اللائق ـ بطبيعة الحال ـ إفساح مقعد علني للكيان الصهيوني، وعليه كانت الحاجة إلى مصر كعروبة بمضامين صهيونية سابغة ومواربة لملامح «تل أبيب».
يمكن القول اختزالاً إن مستقبل اليمن بات الناظم لمستقبل المنطقة العربية والإقليمية بعمومه، أمركةً وتشرذماً أو وجوداً مستقلاً وحضوراً وازناً على مستوى خارطة العالم.
التعليقات