يفضل «مؤتمر الداخل» أن يكون مستبعداً من دعوة حوار أممية وجهت بحسب المعلومات لـ«الأنصار»، ولم يكن ذلك ضداً لرغبة قيادته التي خلفت (صالح) بعد أحداث ديسمبر.
حالة الإنكماش والبيات المؤتمري الراهنة هي انعكاس لمجموع تناقضاته الداخلية البنيوية، المشدودة بالقصور الذاتي لسياق نشأته التاريخية مطلع العقد الأخير من الحرب الباردة، حيث تعين لهذا الإطار الفضفاض أن يكون مظلة سابغة لخلطة التوجهات السياسية والاجتماعية المحتربة حينها، على خلفية تضارب نظامي الحكم في اليمن الشمالي، اللاعب في الصف الأمريكي من جهة واليمن الجنوبي اللاعب في الصف السوفياتي حينها.
إن بنية «المؤتمر» الفوقية التي تألفت من عديد مراكز قوى ذات توجه تقليدي يدين بالتبعية للملكة السعودية، ويعتاش تحت كنف تمكين الوصاية الأمريكية من القرار اليمني، هي بنية تآكلت على مراحل في سياق حربها البينية ليكون لها اليد الطولى، باعتبار أن يقف «المؤتمر» على سدة الحكم، وقد ازدهرت احترابات المراكز التقليدية رسمياً عقب الخلاص من شريك الوحدة، «الحزب الاشتراكي» في 1994، وعبرت عن نفسها في صيغة تنافس محموم للهيمنة على الحصص السيادية في سوق التوكيلات النفطية وغيرها، وفي الجيش والأمن وصولاً إلى مفترق 2011 الذي افضى إلى إزاحة صالح من رئاسة الدولة وبقائه رئيساً للحزب.
إن المتغير الوحيد الجذري بين جملة متغيرات ما بعد 2011، كان الوثبة الثورية الأنصارية في 12 سبتمبر/ أيلول 2014، والتي فرضت قواعد اشتباك لم تعد أعنتها في يد الوصاية الأمريكية والمخرج الغربي للمشهد السياسي في اليمن، بل بات هناك مكون اجتماعي سياسي ثوري هو «أنصار الله»، يستعصي على عواصم الوصاية الغربية تدجينه كوكيل لها ولمصالحها الاستعمارية في اليمن، وهذا هو تحديداً دافع إنشاء «تحالف العدوان» بلافتاته العربية المخاتلة.
يستهدف «التحالف» إعادة موضعة رموز سلطة الوصاية التقليدية البائدة في سدة السلطة، وإن بصيغ وأسماء جديدة، فيما يستهدف «أنصار الله» كقيادة ثورية تحررية إنهاء زمن الوصاية وانتهاج مسار وطني تحرري له رؤيته الخاصة، النابعة من إرادة شعبه في تعاطيه الإقليمي والدولي بمعزل عن الارتهان، وهذا هو مفترق الطرق الذي يجعل حتى من «مؤتمر الداخل» عاجزاً عن الاستدارة الكلية على سياق نشأته التاريخية، ليعاود الولادة في سياق تحرري، عجز يسحب نفسه حتماً على رؤيتي المكونين الشريكين لما ينبغي أن تكون عليه التسوية السياسية، التي يفترض بها أن تنهي حالة (الحرب) القائمة.
عالقاً بين مربع الاستثمار (الديسمبري العائلي باسم علي صالح) ومحاولات هادي شَغل موقع الرئيس للحزب بمجموع مؤتمريي الخارج الموالين لـ«التحالف» وللإمارات السعودية... هذا هو حال «مؤتمر» الداخل اليوم، وأفدح من ذلك عجزه عن اكتساب القوة الشعبية عبر الالتحام الفعلي في جبهات مواجهة العدوان المتعددة، التي لا يزال يلتزم مسافة شاسعة منها.
لا يمكن لـ«مؤتمر الداخل» إذن أن يكسب مع «التحالف» العاثر، ولا مع المربع العائلي الديسمبري الخائب، ولا مع المتغير الثوري الوطني، الذي يحرز قيماً داخلية وخارجية مرتفعة ومتصاعدة بإدارته الفذة لدفة المواجهة والصمود في وجه «تحالف العدوان»، الذي لا قيمة لمجموع المكونات المحلية المنضوية فيه أمام مصالح وعثرات المدير التنفيذي الغربي الأمريكي البريطاني.
ليس السؤال اليوم هو كم سيستمر هذا البيات الذي ينتهجه «المؤتمر» في صنعاء كسياسة، وإنما كم سيكون بوسع الحزب المؤلف من خلطة احترابات وتناقضات موزعة على أكثر من ضفة، أن يصمد كإطار ناظم لهذه الخلطة، قبل أن ينهار لجهة نشوء مشهد سياسي يمني جديد وفتي يطوي زمن الوصاية!
التعليقات