كنت منتدباً قبل سنوات قليلة للعمل تعاقدياً في كلية التربية في مدينة الغيظة عاصمة محافظة المهرة، ومما لاحظته أثناء ذلك كثرة عدد الطلاب من أبناء منطقة ظفار، أو من أبناء المهرة الذين حازوا على الجنسية العمانية، أو من ينتمون لأسر ممتدة بين المنطقتين الجارتين أي ظفار والمهرة، فاهتمام سلطنة عمان بهذه المحافظة اليمنية التي على حدودها هو نابع بالأساس من التداخل الأسري والمجتمعي العميق، والمتأصل لمنطقة ظفار تحديداً مع جوارها المهري بل والحضرمي أيضاً.
فالتاريخ السياسي يكاد يكون مشتركاً بين عمان وشرقها اليمني، وحكم كل منهما الآخر، فقد حُكمت ظفار من حضرموت الكثيرية، ومن تعز الرسولية، ومن صنعاء القاسمية، كما حُكمت المهرة وحضرموت من ظفار حكماً ما زالت آثار بعض حكامه المادية قائمة ومعلومة، وتكاد تكون المدرسة الدينية والصبغة الاجتماعية واحدة بين هاتين المنطقتين الجارتين، حتى لكأنهما جسم واحد بين دولتين.
ومن ناحية أخرى، تعتني عمان ثقافياً بأمر مشترك آخر بينها وبين شرق اليمن، وهو نوع المدرسة الدينية التاريخية التي كانت سائدة بحضرموت، وهي المدرسة الإباضية التي كانت تمثل سلطة حاكمة، ولا سيما في القرن الخامس الهجري، حيث كانت القوات العمانية متواجدة بحضرموت لدعم تلك السلطة قبل أن تنحسر في فترة لاحقة.
وهناك العلاقات الاجتماعية الوطيدة بين الحضارمة والعمانيين التي شكلها البحر، وهي متمثلة في النشاط البحري بسفنه وربابنته وبحارته وأعرافه، ثم التوطن في المهاجر المشتركة في عدد من مدائن وبلدان شرق أفريقيا، حتى أن أحد العمانيين كان هو الحاكم الفعلي بحضرموت في أربعينيات القرن المنصرم، في إطار ما كان يعرف بالسلطنة القعيطية بتوصية من الإنجليز الدهاة، الذين كانوا حاضرين في تلك المهاجر ومطلعين على طبيعة التداخل بين الجارين.
ولأجل كل ذلك تمثل منطقة شرق اليمن حساسية خاصة للجارة العمانية، ومن ثم فوجود كيان خصم أو منافس للدولة العمانية في تلك المحافظة الحدودية المهرة، وإحكام قبضته عليها يؤثر بصورة مباشرة، فهو قد يسهم في خلخلة أمنها الاجتماعي من ناحية، وقد يغير المزاج العام اجتماعياً وفكرياً لعدد كبير من سكان السلطنة في غرب البلاد، وهو ما تدركه النخبة الحاكمة لعمان ويمثل تحدياً قومياً لها.
وإذا كان الوجود السعودي الحالي في المهرة يأخذ شكلاً اقتصادياً ويمثل الاقتصاد جانباً مهماً منه، فإن مملكة آل سعود التي تقدم نفسها راعية للإسلام السني ربما، من جانب آخر تسعى لتحجيم الجار الإباضي العماني، كما عملت على محاصرة الجار الزيدي اليماني، وعلى التحريض المتصاعد للجار الشيعي الإيراني.
إن تدخل آل سعود بطابعه الديني قديم في منطقة شرق اليمن، منذ دولتهم الأولى التي تبنت دعوة الشيخ النجدي محمد عبد الوهاب، وقد تمظهر طابعه الديني في استهداف بعض مظاهر التدين السائد بحضرموت كالتصوف وما يرتبط به من أوراد ومناسبات دينية وقباب الأولياء، فمنعت الاحتفال بتلك المناسبات ووجهت معاولها للقباب والمشاهد قبل أن تغادر حضرموت.
كما أن السعودية بدورها أولت عناية ثقافية بروابطها المتصلة بالجار اليمني عبر دعمها وتمويلها مباشرة أو السماح بذلك لذوي الأصول الحضرمية، ذلك الدعم والتمويل موجه بالأساس لجمعيات دينية ومراكز ثقافية وبعثات علمية، هادفة جميعها لتعزيز التواصل الثقافي، ومنه الديني بصبغته الوهابية بينها وبين مجتمعات شرق اليمن.
ويرى بعض المراقبين أن لقرار الترحيل القسري لأعداد هائلة ممن خلدوا إلى الاغتراب في السعودية، واتخذوها سكنى لهم ولذراريهم لعشرات السنين، كونوا خلالها ثروات طائلة، ذلك الترحيل المتسارع ليس بريئًا، بل له أهداف سياسية تترقب السعودية نتائجها عن كثب، وهي تتعلق بإيجاد وفرة سكانية بحضرموت تحن لمساكنها الأولى في السعودية، وتنشر مزاجاً عاماً يتجه نحو الرغبة في الارتباط السياسي بها.
إذن فالمنطقة الشرقية لليمن ذات المساحة الجغرافية الشاسعة تتجه في ضوء ما ذكر نحو صراعات واستقطابات من نوع آخر تنفرد به عن سائر اليمن، فربما تتجه به إلى اليمن والبركات كما يبشر البعض، أو إلى الغبن والدركات كما يحذر آخرون، فهل سيبدأ شرخ اليمن من شرق اليمن؟ هذا ما سيجيب عليه الزمن.
التعليقات