تستقبل سواحل محافظة شبوة بشكل يومي، عشرات المهاجرين الأفارقة الهاربين من رمضاء الحروب في دول القرن الأفريقي، إلى نار اليمن بطرق غير شرعية.
أغلب مناطق محافظة شبوة، باتت تعج بمئات النازحين والمهاجرين الأفارقة، الذين تشكل جنسياتهم الأثيوبية والصومالية الغالبية العظمى، قادمين من مناطق الصراع في دولهم إلى اليمن عبر البحر بعد أن ينجح بعضهم من تجاوز الموت المحقق!

رحلة الموت!
منذ وصوله قبل سنة بمعية عدد من أقرانه، يقول كدير محمد (أثيوبي الجنسية)، إن رحلته من بلاده إلى سواحل شبوة استغرقت ثلاثة أيام عبر البحر، قبل أن يجبره المهربون البحارة الصوماليون، على القفز في عرض البحر قبالة السواحل اليمنية، وذلك عندما طارد زورق عسكري يمني، قارب الصيد الذي كان يقلهم، ليظل يسبح بمعية العشرات من المهاجرين أمثاله، قرابة أربع ساعات، حتى قذفت به الأمواج إلى ساحل بئر علي بمديرية رضوم.
يقول كدير خلال حديثه إلى «العربي»، إن الظروف غير المستقرة في بلاده دفعته إلى الهجرة لليمن مرورا برحلات موت محققة. ويروي قصة مثيرة حدثت له ورفاقه عندما ظلوا يمشون عبر صحراء شبوة عدة أيام في طريقهم إلى منطقة عسيلان، من دون طعام وماء، عدا اليسير جدا، الأمر الذي تسبب في سقوطه مغميا عليه بسبب هبوط حاد في الدم.
ويضيف «بعد أن شربت القليل من الماء وبعض الطعام، عاودنا السير، وعند حلول المساء استلقينا على الرمال منهكين، قبل أن نصحو على صياح أحد رفاقنا من الألم، لنكتشف أن ثعبانا ضخما قد لدغه وأدخله بغيبوبه تامة، الأمر الذي اضطرنا لحمله على ظهورنا نصف يوم، بعد أن ظننا أنه قد مات، بحثا عن إنقاذه».
ويتابع «أكرمنا الله بأحد رجال القبائل من قبيلة بلحارث الذي سارع بإسعافنا إلى المستشفى، وقدم لنا الطعام والماء والمأوى حتى تماثل صديقنا للشفاء»، مشيرا إلى أنه يعمل الآن مزارعا في إحدى مزارع محافظة شبوة مقابل أجر زهيد.

تدفق غير مسبوق
وقال الناشط الحقوقي والإعلامي عيدروس الخليفي، من أبناء مدينة عتق (عاصمة محافظة شبوة)، «إن عمليات تهريب الأفارقة إلى شواطئ المدينة شهدت ارتفاعا ملحوظا في ظل أوضاع صعبة يعيشونها»، مضيفاً أثناء حديثه لـ«العربي»: «التدفق الكبير للمهاجرين الأفارقة إلى شبوة شكل مأساة مضاعفة للمحافظة التي تعاني ظروفا صعبة جراء الحرب الأخيرة».
واستطرد «نرى العشرات من الأفارقة بينهم نساء وأطفال يسيرون مشيا على الأقدام على طرقات محافظة شبوة بشكل يومي، قاطعين مساحات شاسعة جدا بلا طعام أو شراب»، مؤكدا تلقيهم بلاغات مستمرة عن حالات غرق قبالة سواحل شبوة راح ضحيتها العشرات منهم.
وأوضح «أن المهاجرين الأفارقة يأتون اليمن بغرض النجاة من الحرب، والبعض منهم عقب نزولهم سواحل بئر علي، يقطعون مسافة تتجاوز 250 كيلومتراً سيرا على الأقدام، في حين يواصل آخرون منهم السير نحو محافظة مأرب والجوف باتجاه المملكة العربية السعودية».
وتقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة أعداد اللاجئين في اليمن بنحو 280 ألف لاجئ، في آخر إحصائية لها نشرتها على موقعها الإلكتروني، فيما أكد بيان صادر عن المفوضية العليا أن اليمن ما زالت تعتبر ملاذاً و معبراً للمهاجرين الأفارقة، على الرغم من القتال الدائر فيها.
وأشار البيان إلى أن أكثر من 117 ألف مهاجراً دخلوا إلى اليمن عن طريق البحر خلال العام الماضي، وأن هذا العدد فاق الـ 30 ألفاً منذ مطلع العام الحالي وصولاً إلى يومنا هذا، فيما موجة النزوح في ازدياد مضطرد. وأوضح أن المهربين يُرغمون المهاجرين على القفز من الزوارق إلى البحر أثناء رؤيتهم قوات خفر السواحل اليمنية، الأمر الذي تسبب في وفاة العشرات منهم.

مخيمات وشكاوى مجتمعية
وتتولى مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين، إدارة كثير من المخيمات التي يقيم فيها المهاجرون الأفارقة بمحافظتي عدن وشبوة.
وقبل سنوات قليلة، استحدثت المفوضية العليا للاجئين الأفارقة، مخيمات للمهاجرين في منطقة الرمضة (جنوبي شرق شبوة)، قبل أن تتلقى «المقاومة الجنوبية» عدداً من المناشدات من المواطنين لـ«ترحيل الأفارقة من منطقة الرمضة»، وهو ما دفعها للتدخل.
وجاء في بيان لـ«المقاومة» حينها تلقيها شكاوى معززة بعديد من التقارير الطبية، التي تفيد بإصابات مختلفة من الأمراض المعدية في أوساط المهاجرين أبرزها الكوليرا، التي انتقلت عدواها بين المواطنين، إضافة لانتشار المخدرات والحشيش.

حملات أمنية!
قبل عامين، باشرت وحدات تابعة لـ«المقاومة الجنوبية»، مسنودة بقوّات من الأمن، بحصر تواجد الآلاف من اللاجئين الصوماليين، ومن جنسيات أفريقية أخرى، في مدينة عتق عاصمة محافظة شبوة،
وباشرت بإجراءات تسجيل الأسماء وتجميع البيانات المطلوبة من اللاجئين لمعرفة هوياتهم، وحصر الأعداد التي تمكّنت من الدخول إلى مدينة عتق.

أمراض.. مخدرات.. وإرهاب!
وبحسب بيان صادر عن هذه الحملة، فإنها تهدف إلى «رصد بعض المعلومات نظرا لحمل المهاجرين أمراضاً خطيرة، وينتمي عدد منهم إلى تنظيمات، ربما تكون إرهابية وضبطها لعدد من النازحين الأفارقة يتناولون المخدّرات والحشيش»، لافتاً إلى أن حالة بعضهم المادّية ميسورة ما يدعو إلى الريبة والشكّ.

تفاعل إنساني
في مديرية عسيلان التي تشكل محطة هامة لمكوث وعبور المئات من المهاجرين الأفارقة نحو محافظة مأرب والحدود السعودية، بادر الأهالي بإطلاق مشروع لإيوائهم، بعد أن كانوا يفترشون الساحات العامة والمساجد، إذ بادر أحد رجال الأعمال إلى جمع تبرعات من المواطنين للمساعدة في إيواء المهاجرين في إحدى المدارس القديمة التي تعج اليوم بالعشرات منهم.
التعليقات