ليس الخبر أن عبدربه منصور هادي سيغادر مكرهاً كرسي الرئاسة، كتحصيل حاصل لأية تسوية سياسية قادمة في اليمن... الخبر هو أن محمد بن سلمان لن يجلس على عرش الملك خلفاً لأبيه في السعودية، وأفدح من ذلك أنه قد يغادر مكرهاً كرسي ولاية العهد كسبيل لا مناص منه، لتلافي انفجار دورق التناقضات والصدوع العميقة في بنية المملكة، والتي توشك أن تتجاوز درجة الغليان.
«الرئيس الدمية» و«المهفوف» الطامح في الجلوس على العرش ملكاً، كانا ـ لنحو أربعة أعوام ـ عنوانين رئيسيين لأقذر سيناريوهات الحرب، التي لم يحدث أن شنها بلد على بلد آخر أو تبناها رئيس ضد شعبه بامتداد تاريخ العهر والقذارة السياسية.
غير أن كلاهما ـ اليوم ـ (بن سلمان وهادي)، يلوحان أقرب شبهاً بقربانين يجري تهيئتهما دولياً، على مذبح محاولات كبح المآلات الكارثية لحرب خيضت ممهورة باسميهما، عوضاً عن أن يحصد الأول عرشاً أطاح في سبيله بنصف العائلة المالكة السعودية، ووضع رعايا الطفرة النفطية على شفير مجاعة حتمية، أو أن يسترد الآخر كرسي رئاسة «توافقية» أطاح بنصف الشعب وبكل مقومات معيشته، وبسيادة واستقلال ترابه في سبيل استرداده.
غادر هادي فندق الشتات الرئاسي في الرياض ـ الأرجح ـ إلى معمل التحنيط المتحفي في الولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة المصلحة الرئيسة في العدوان على اليمن، والمهددة اليوم بارتداداته الكارثية الوشيكة على إمبراطورتيها التي خسرت الكثير من وزنها وهيبتها ونفوذها، كنتيجة لحزمة متغيرات إقليمية (شرق أوسطية) عاصفة، وهي ليست بوارد أن تقامر بما تبقى لها من وزن كُرمى لعيون «الدنبوع» أو «المهفوف»...
وعلى ضفة المملكة، رشحت أخبار من الكواليس الملكية تشير إلى أن مغادرة هادي إلى واشنطن كانت بطلب من الرياض، التي استقبلت الأسبوع الفائت مبعوثاً عسكرياً من «البنتاغون»، حمل في جعبته حزمة محاذير وإملاءات احترازية أمريكية ذات صلة وثيقة بمتغيرات الصراع في اليمن، ولم يكن من دواعي سرور ولي العهد، الطامح والأخرق، أن تهب عليه هذه الحزمة من تلقاء واشنطن، لتصدم يقينه القاصر والعميق بنجدة أمريكا له فضلاً عن المقامرة به.
استمراراً، ظهر الأمير أحمد بن عبدالعزيز في لندن، وهو يتنصل صراحة من سياسات الملك ونجله ولي العهد، أمام جمهرة من المحتجين ذوي الجنسيات المتعددة، الذين حاصروه بعبارات التنديد والأسئلة الناقدة والمهينة حول انتهاكات ومجازر المملكة في «اليمن والبحرين»!
قال الأمير: «إذا كان الأمر بيدي فسأوقف حرب اليمن على الفور...»، إن هذه الجرأة في الظهور والجملة الاشتراطية التي صرح بها الأمير أمام عدسات المتجمهرين، تفيد التنصل، كما قد تعني أن «الأمر سيكون في يد أحمد بن عبدالعزيز بدعم من بريطانيا»، التي تأخذ اليوم بزمام ملفات المآزق الأمريكية في المنطقة صوب مقاربات أكثر واقعية، لجهة كبح انهيار ملعب الغرب الاستعماري برمته، إزاء ارتباك السياسة الأمريكية ومقامرات صبيان واشنطن في خليج «البترودولار».
التعليقات